لمحةُ ربيع 


أزهقت الحياة قلبي، ودع شبابه مُرَحِبًا بشيخوخةٍ تغوص في أعماقه، الحياة كبدته خسائر فادحة، أضحى مشردًا من الفرحة، مُقبل على سنين أكثر ألمًا.

الحياة ودعتني كما أنتِ يا رفيقتي، سنين عمري أُذهِبت سُدًى دون وجودكِ في سطورها، كنتِ الملجأ والأمل، خير صُحبة ورفيق، عكازًا يحمل عبئي الثقيل، وسادةً أرمي عليها دموع اليأس، غطاءً أُدثر فيه محاولاتي الفاشلة، أتى كل شيء فجأةً سارقًا معه حياة قلبي، تركتِني رمادًا تُناثره رياح البؤس تارةً، ورياح الشوق تارة أخرى، أما نسائم الذاكرة تتلاعب بي، وتشتت ذاتي على رمال الماضي.


وبعد سنينٍ عجافٍ، خاليةٍ من مظاهر الحياة، لمحتُ طيفك خلسة، لم تتحرك عيناي وإنما قلبي، تحرك باحثًا عنكِ، يتأمل وجوه المارة علها تكون فرصةً لحياةٍ أخرى يعيشها، حاول الإمساك بيدك عله يوقفك ويأنس روحك، وما لبس حتى غادرتي، حملك قطار القدر مودعًا محطة قلبي، مخلِّفًا وراءه ندبةً كبيرةً في دواخلي، محدثًا شرخًا يصعب شفاءه، طارت روحي مني، سرح عقلي خلفك، الحياة غادرت آخر محطة فيّ، رُشق جسدي، شُلت حركته، وكأني أُصبت بسكتةٍ دماغية، حاول ابني لفت انتباهي، وما لبست حتى اتصفت محاولاته بالفشل، طُلقت من فاهه صرخة أفزعت أباه، تركته حائرًا! 

هل أخذت المنية أمه، أم أنها دخلت في لحظات شرود عقلها التي تراودها كل يوم؟

انتظرتكِ حينها ساعات من الدهر، ثواني من العذاب، ودقائق من القهر، ولكنكِ لم تعودي، ولم أعد من بعدك كما كنت، زاد ألمي، وانفطر قلبي مجددًا، ليتكِ تعودي يوماً ما، ويعاود ربيعك صيفي الجاحظ.


#هاجر الجبلي

تعليقات