لا زلت كعادتي اسأل عن حالك
ولا أعلم أي حال وصلت إليها ياعدنان
أما عني ففي تلك الليلة شديدة الظلام
السماء كغير عادتها أمطرت علينا صواريخ ملتهبة وقذائف بسفورية
تعالى صياح الأطفال رعبًا فخرج الأهالي يهيمون في الشوارع للبحث عن آمان
طلب منّا زوج عمتي، أن نأخذ مايلزمنا ونضعه في الشاحنة لنبدأ مرحلة اللجوء
تساءلت نفسي ياعدنان؟
كيف تتسع الحياة في هذا الشاحنة!
أين أضع الذكريات والتفاصيل
وأحلامنا، وضحكاتنا
وأي الأشياء أهم
الطعام أم الفراش أم المياه
ام الملابس
تحركت عجلات الشاحنة
وعلمت أننا لم نحمل سوى الخيبة وملامح الحزن التي ظهرت على تقاسيم وجه عمتي
فلم يكن يومًا واحد ياعدنان كان شهرٌ يتلوه شهر ذقنا مرارة الفقد، والجوع لأيام، والسير في الطرقات للبحث عن مأوى
لم يكتفِ علام بطائراتهِ وقصفها الوحشي
فأمر جنوده بالتوغل إلى أرض الأمل، فارتكب المجازر وسفك الدماء، ودمر المشافي واحرق محاصيل الزراعة
أرض الأمل ياعدنان التي جمعت صخب أيامنا، ونشوة ليالينا، وشيدناها بأيدينا
لم تعد إلا صورة في خريطة
ودمار على أرض الواقع
دعني أخبرك ياعدنان ماذا حصل لنامق؟
عندما رفض المغادرة من شمال
نامق الذي تعني له أرض الأمل الملاذ، والانتماء.
اختار أن يبقى في منزله، على أن يلجئ في مخيمات اللجوء
ففرض الاحتلال الحصار على الشمال منذُ عدة أشهر
لم يجد الأهالي مايسد رمق جوعهم فأكلوا علف الحيوانات وأوراق الشجر
قدمت لمهم المساعدات بطريقة إذلال حينما رموها في مياه البحر
إلا حين دخلت شاحنات المساعدة، هرع الناس لينالوا نصيبهم، كان نامق يمشي متلهفًا ليحصل على طردهِ الغذائي، تتجسد أمامه صور أطفاله وهم يصرخون من شدة الجوع، فيسارع خطاه
ولم يعلم أنه سيكون فريسة للموت
امتزجت دماءه بدقيق القمح
ارتقى شهيدًا، وعاد لأطفاله محمولًا على الأكتاف مغطى بكرتون الطرد الغذائي
لم تستحمل سميرة فقد نامق بكتهُ ليالٍ طويلة، لم تستطيع سد فجوة فراقة
فشدت رحالها مع الرعيل الأول حينما طلب الاحتلال أن يتوجهوا للجنوب
فصادفتها في مدارس الأيواء
قبل أن يطولها قصف الاحتلال
وسرنا مجددًا نبحث عن مكانٍ آمن كما يزعمون
أسكنا في خيمةٍ واحدة تشاركنا شتاءها القارس وصيفها المحرق، ندبنا حظنا معًا، سرقنا من الذكريات الجميلة نورٌا لنوقد به ليالينا المظلمة
وحكنا قميص الفقد بخيوط الحزن، وارتديناه حدادًا على أرض الأمل
صفاء القاضي