*منعطف حياة* 


أنا اليوم لست كما كُنت بالأمس، بِت لا أُشبهني البتة؛ تغيرت أفكاري، ومعتقداتي، أمتزج ما أُحب مع ما أمقت، كما يمتزج الأبيض مع الأسود، فيُولد أبلق لا ينتمي لشيء، ليس له إنتماء، الكل برآءٍ منه، وهكذا أنا، كبرت ليس بِعدّاد العُمر؛ فشهادة الميلاد ما زالت تُعلّق قلبي على شمّاعة الطفولة، وروحي تُزف إلى أحضان الكهولة، كبرت قبل أواني، شاخ قلبي، تجعدت روحي، بعد ملاحِم كانت ترائبي ساحة النزال، وقلبي شهيد منسي، لم تُكرّمه الحياة بأن تجعل له ولو شِق ضريح يضمه هو والأسى، مبتور من كل شيء إلا من الشجى، أبحث في أزقة الحياة عن أركان الوحدة مهما سَأحتضِر فيها، لا ضير إن كُنت سأستطب، غايتي أن أجد دائرة سلام؛ علّي أبَرَأُ فيها من الماضي الأليم، والحاضر السقيم، أوصِد كل باب يصلني بالعالمين، أختار ركن لا أجد فيه لا ألم، ولا أنين، ركن فيه يد حانية تُضمد الجراح الغائر، وتطمئن الروح النازفة، أقنت أول ليلة في محراب الوحدة، أصلي بعد إطعام صغار الخيبة؛ لأجل أن أهتدي لتلك التعويذة التي تقضي على كل هذا العناء بتمتمةٍ واحدة، أقنت في سجادتي، استغفر لكل ذنب اقترفته في حق قلبي، تكسرُ دجنتي شمعة ركيكة سخية في دموعها التي لا تنضب وحدها تُعزيني، عبق الأغبرة التي تمتطي صهوة كُتبي تتخلل أنفي، أعتذر لها عن هجراني، لم أكن من مُحبي القراءة سوى أنها طِراز يُنمِق واجهة غُرفتي، تمتد يدي إليها ألتقط من خاصرة مكتبتي كتابًا، أشرع في قراءة وريقاته، ألتهم الأولى والثانية إلى عدد غير معدود، تناسيت ألمي أو نحّيته جانبًا، وتارة كان يكوي جُرحي، أُعلن صرخة مدوية أبتلعها صمت مُهيب، لم يكن كل هذا لشيء إلا لتضميد جراحي بعد تعقيمها، دُفنت في أحايين كتيرة في سطور لم يجمعني بصاحبها زمان ولا مكان، لكن جمعنا الألم، لكأنما كانت الكُتب هي الجزيرة التي تحتل كنزي الذي طال عنائي حتى أدركته؛ فوحدها من أجادت بوح صمتي، نطق مكنون قلبي، ترتيب بعثرتي، أنّست وحشتي، ذبحت الأيام العجاف، أمطرت على بيداء روحي، فاهتزت وأنبتت من كل زوج بهيج، لم أعد أشبهني أخرى، في كل يوم نُخلق من رحم جديد، ها هي الكتب تُنجبني خاليًا من الأحزان، ومعوقات الحياة: كالبشر، خلوة وكتاب هنا تطير بيّ الطمأنينة إلى سماواتها العُليا. 



#أمة_ الرزاق_ السند.

#فريق_اقرأ

#مبادرة_النسيم

تعليقات