«غيمةٌ في سماءِ الألم»


في مُجتمعٍ تسوده العادات والتقاليد الصَّارمة، داخل بيتٍ من بيوتِ الريف المليئة بالقسوةِ والعنجهية، حيث لا مكان لرأيِ الفتاة ولا كلمة لها، أعيش أنا، الفتاة الصغيرة غيمة، ذات العشرة أعوام، يتيمة الأم، محرومة من أبسطِ حقوقي كطفلة.


في إحدى ليالي حزيران، بينما كُنت العب بدُميتي، والوحل يًغطي يداي وقدماي، والابتسامة لا تُغادر ثغّري البريء، إذا بوالدي يقترب مني بصوتهِ الجهوري: "اتبعيني بهدوء؛ لأريكِ شيئًا."

أجبتُه بصوتٍ طفولي: "حسنًا."

أمام الباب، كان يقف رجل يبدو في الثلاثينِ من عُمرهِ، لم أرهُ في حياتي مُطلقًا، كان ينظر إليّ بتمعُن. 

قلت وعلامات الاستغراب على وجهي: "من هذا؟!"

أجابَني والدي: "تَعرفي عليه، إنه زوجك، وغدًا سيأتي ليأخذك معه." 

لم أستوعب ما يحدث. من هو؟ وماذا يعني سيأخذني معه؟!

قلت بتعجبٍ ونبرةِ بُكاء: "زوجي! أنا لن أذهب إلى أي مكان." 

قال لي والدي بصوتٍ حازم: "لا داعي للبكاء، ستذهبين إلى بيتهِ، يا غيمة، وسيُصّبح بيتك الدائم."

رددتُ والغصات تنهال عليّ بِشدة، حتى أنها كادت تخنقني: "لكنني لا أعرفه يا والدي! أريد البقاء بجانبك."

فإذا بهِ يصرُخ بغضبٍ لم أشهده من قبل: أنتِ لم تعودي طفلة، فاجمعي ملابسك واستعدي للذهاب دون جِدال، فأمري هو الذي سيُنفذ.


بخُطواتٍ مُثقلة بالأسى، توجهتُ إلى زاويةِ غرفتي، وأجهشت بالبكاء. تذكرت كل ما أصابني بعد وفاةِ والدتي، فلو كانت هُنا لما حدث كُل هذا، فلم يكترث لنحيبي وألمي أحدًا سواها. حاوطتُ على جسدي النحيل بيديّ الصغيرتين، وأغمضت عينيّ بهدوءٍ تام.


في صباحِ اليوم التالي، كان هُناك فستان أبيض على حافةِ سريري، يُشبه ذاكَ الذي كُنت أُلبسه دُميتي، ارتديته عُنوة، نظرت إلى المرآةِ، كان جفناي مُنتفخان للغاية؛ لشدة بكائي طوال الليل، وضعت القليل من مساحيقِ التجميل؛ لأخفي أعسان الحُزن المُخيم أسفل عينيّ. 


وفجأة دون سابقِ إنذار، أمّسكَ والدي مِعصمي بشدة، وجرني خلفه دون أن يُخبرني بشيء، سقطت دُميتي أرضًا، كان الدمع يبلل وجنتيّ، وكأن دميتي تبكي لأجلي أيضًا، أخذني والدي لشخصًا يُدّعى زوجي، كان طويل القامة وأنا بجانبه طفلةً صغيرة، إنه يكبُرني بأعوام. ذهبت معه دون أن أعي ماذا يحدث، دون أن أدرك ماذا ينتظرني في ذلك البيت الجديد.


في ذلك اليوم الذي تركني فيه والدي قُتلت جُل أحلامي وطفولتي، انهار كل شيءٍ داخلي، غَادرت السعادة حياتي، تحملت المسؤولية وأنا بحاجةٍ لمن يحمل عني، أسندت غيري في الوقتِ الذي كنت بحاجة لكتفٍ أستند عليه، كبرتُ عُمرًا فوق عمري، لم أعش طفولتي ولم أتذوق لذتها كبقيةِ الفتيات، وها أنا أغرق في واقعٍ لم أتصوره، أحمل رضيعي بين يديّ وطفلي الآخر مُنتصف أحشائي، أصارع الزمن والمتاعب التي تحاوطني من كلِ جانب، فأنا مُجبرة على الوقوف.

الضياع والتشتت الذي يرافقني إلى هذا اليومِ سيظَّل دينًا في عُنق والدي إلى يوم الدين.



#رحاب_ المقرمي

# فريق_ الأقصى

# مبادرة_ النسيم

تعليقات