« مقاومةُ الإنجرافِ وراء أحلامٍ باهتة »


في بادئ الأمرِ وعند بدايةُ ريعاني بالنضجِ رأيتُ أن الحياة صعبةٌ تحتاجُ إلى الكثير من المقاومة بل والكثيرُ من الصبر حين تماشيكَ الأقدارُ الى ما لا تشتهيه اصبر، وحين تصفعُك الحياة على وجهك وكأنك جدارٌ، أو حجرٌ لا تحُس قاوم، وحين تجرفك تفاهاتُ الزمان اردعها، اشتدّت المعاناة في داخلي فكم كنت ارى من الاختلاف أمامي وكذا اختنق لما أراه وقد خاضت نفسي معاركٍ لم تنتهي بين قلب و عقل، وبين حريةٍ، ودين فعندما بدأت أعتاد الأمر وكأنه ليس شيء مختلٍ بدأت أنساقُ خلفهُ فعندما عودت نفسي أن تجمل خطايها بعيني لم أعد اراها بحقيقتها انسقت خلف تُراهات فتتتني كرمادٍ ذُرّ مع الريحِ فلم أجد لي طريقٌ، وبقيتُ كتائهةٍ في الزحام بين صُلبِ جدارٍ و أثناء مقاومتي لنفسي وجدتُ في يدي خارطة النجاةِ .

تجلس أمام بنات أخيها اللاتي ينظرن لها بشوقٍ وحماس لتحكي لهم قصتها وما قاستهُ لتعود بذكراها لما قبل سبعة أعوام :

بزغت أشعةُ الشمسِ لدُّخولِ ذلك اليوم تستيقظ فيه نورا وهي عازمةٌ على أن تنهي هذا الموضوع اليوم فكم من أيامٍ أخذت تحاول فيها إقناع والديها بالسفر للخارجِ لإكمال دراستها ولكنه قوبل طلبُها بالرفضِ; ولكنها لم تتوقف فأخذت تُفكر في أعماقها كيف تقنع والديها وبينما هي في بحر الفكر كغريق يأبى النجاة طُرِقَ بابُ غرفتها ليُعلن دخول شخصًا ما

والدتها : نورا هيا يا بُنيتي حان وقت الغداء 

نورا: حسنًا يا أماهُ سألحقُ بكِ الآن 

خرجت لتلحق بوالدتها وهي تشجع نفسها لتحدث والدها جلست على مائِدةِ الطعام و شرعت في الأكلِ وبينما كان الصمت يُخيُّم على الطاولةِ تنحنحتُ قائلةً : أبي اذًا ما رأيك هل أسافر لإكمال دراستي مثلما حدثتُك سابقًا؟ 

والدُها: بُنيتي إنني أخشى عليكِ إن دول الغربِ ليست كما نراها جميلةٌ، ومريحة إنها كالنبتة المتوحشة جميلةٌ من بعيد ولكن ما أن تقتربي منها فهي تهجمُ عليكِ وعلى أفكارُكِ القيمة.

نورا: لا عليك يا ابتاه سأُحافظ على نفسي وانتبه ولن يحدث لي شيئًا ثِق بي. 

والدها : لم يعد بوسعي قولُ شيءٍ بما أنَّكِ تريدي ذلك فالله معكِ يا صغيرتي . 

قفزت نورا تحتضن والدها ووالدتها فالفرحة قـد خالجت صدرُها وغمرتها، صعدت مُسرعةً لٌغُرفتها تُحضر حقائبها و مستلزماتها.

وبعد مُرور أسبوع سافرت نورا إلى فرنسا لإكمال تعليمها الجامعي حطت الطائرة على أراضي فرنسا لتخرج منها نورا وأولُ ما وقعت عليه مُقلتيها هو الاختلاف الحضاري بين المجتمع الذي ربت فيه وهذا المجتمع لتردف في داخلها : يا إلهي ماهذا الإختلاف الحضاري شتان بين مصرٍ، وفرنسا لكن لايُهم أنا هنا لإكمال تعليمي والعودةُ للوطنِ

ثم ذهبت للحرم الجامعي وبدأت برؤيةِ المكان ثم أخذت مفتاحُ غرفتها فصعدت إلى غرفتها وفوجئت بأنها تشترك بها مع طالبةٍ من كندا تُدعى ليندا فبدأت بالتعرُّف عليها باللغة الانجليزية.

نورا: مرحبًا ما اسُمكِ.

ليندا: أهلًا اسمي ليندا وانا بالتأكيد صديقتُكِ في المسكنِ 

نوا: اسمي نورا ونعم أنا من ستشاركك مسكنُكِ، ثُّم استمر التعارفُ بينهُنَّ طويلا 

 بعد مرورِ اسبوعين على وجودها في فرنسا فقد التحقت نورا بالجامعة و تعرفت على أصدقاء و أصبحت هي وليندا خليلتانِ وفي ذلك اليوم كانت ليندا تتجهز للخروج فطلبت من نورا الخروجَ معها فاوافقت وما إن خرجت صُدمت نورا بأنها حفلة مختلطة فأردفت قائلة:

نورا: ماهذا ليندا لمَ لم تُخبرينني، تعلمين أنَّني لا أحضرُ مثلَ هذه الحفلات فأنا مُسلمة 

ليندا : أردتك ان تستمتعي فقط ادخلي سوف نستمتع و نخرج لن نبقى كثيرًا أعدُكِ.

نوا : حسنًا ساعة واحدة ومن ثم سنخرج لن نبقى كثيرًا.

بعد مرور الساعة خرجت نورا برفقة ليندا لتقول ليندا لنورا : أرأيتي نورا لقد استمتعنا كثيرًا

نورا : نعم ولكن اتمنى ان تكون آخر مرة 

ليندا: لا أعدُكِ 

ومرت الايام، والأسابيع و ليندا يومًا بعد يوم تحاول تغيير نظر نورا للحياةِ و ان تتحرر من القود ولكنّ نورا كانت كاللهب لا تسمح لها بمساس دينها و مبادئها حتى أتى ذلك اليوم الذي خرجت نورا برفقة ليندا للتسوق 

نورا : ليندا ما رأيك أن نشتري الجبن فالمنزل خالٍ منه 

ليندا : حسنًا سأحضر منه 

وفجأة ظهر شابان يرمقان نورا بنظراتٍ ساخرة مستهترة ومن ثم فجأة بدأوا بالاعتداء على نورا بالألفاظ البذيئة و التنمر عليها وذلك لانها مسلمة و نعتها بالأرهابية لم تصمت نورا وبلغت الشرطة ولم تلقي لذلك الموقف شأن ولكن يومًا بعد يوم توالت المواقف و و الأمور على نورا وهي تحاول جاهدة إلا تلقي لها بالٍ حتى أتت اليها ليندا بحلًّ 

ليندا: نورا ما رأيك في خلع حجابكِ ليقل التنمر عليكِ وبعد فترة ترتديه مجددًا 

وللأسف لأن نورا كانت تحت ضيءِ المعاناة و التنمر لم تفكر مرة واحدة إلا وخلعت حجابها ويومًا بعد يوم انجرفت وراء ليندا في خطى لم تتربى عليها وتنزع دينها 

فمزعت الحجاب ثم أصبحت لا تُعارض الصداقة بين الرجل، والمرأة بعد أن كانت ضد ذلك الأمر و بشدة بل كانت تمنع صديقاتها و تنصحهُنَّ فقد ضاعت نوا وسط هاتهِ التفاهات ولم تجد نفسها سوى غارقة في تلك البؤرة التي لا تعلمُ ما نهايتها وأين ستؤول بها. والمرأة بعد أن كانت ضد ذلك الأمر و بشدة بل كانت تمنع صديقاتها و تنصحهُنَّ فقد ضاعت نوا وسط هاتهِ التفاهات ولم تجد نفسها سوى غارقة في تلك البؤرة التي لا تعلمُ ما نهايتها وأين ستؤول بها. 

وفي يومٍ من الأيام خرجت أمام البحر لإشمُّ هواءً عليلًا 

وفجأة اسمع صوت

نورا : ماهذا الصوت 

 فتبعته لأسمع رجلًا يردف اعتقد انه يُحادثُ ابنه قائلًا : ماهذا يا بُني عُد لما كنُت عليه فهذا ليس انت ما الذي جرى لتبتعد كل البعد عن ما كنت فيه و أصبحت شخصًا غريبًا حينها حديثهُ لامسني فسألت نفسي : اهذهِ أنا ام أنني اختلفت 

قررتُ العودة للمنزل وطيلةُ الطريق لا زال هذا السؤال يصدح في عقلي يأبى الذهاب وعندما وصلت للمنزل فوجئت بأن ليندا قررت الاحتفال بميلادي فجمعت الأصدقاء من رجالٍ و نساء و بدأوا بالإحتفالِ بي بقى ذلك السؤال يترددُ في عقلي بصوتٍ أعلى وفجأة ظهر أمامي شخصًا يردف قائلًا : انجي بنفسك من هاتهِ المُصيبة قبل أن يفوت الأوان

نورا : لم اعد اسمع شيئًا ولا أشعرُ بشيءٍ فجميعُ الأصواتِ تداخلت في أذني أسمعُ ضجيجٌ في عقلي و ضجيجُ الاحتفالِ وهالةُ هذا الرجل أخافتني فركضتُ إلى غرفتي اغلقت الباب عليَّ لعلي أن اهدأ بدأتُ افكر ما افعل كيف أتصرف لمعت في عقلي فكرةٌ أن أعود إلى مُرشدتي دومًا أمي نعم هي بالتأكيد ستجد لي حلًا من هاتهِ المُصيبة فاتصلت عليها في الحالِ 

نوا :السلام عليكم أماه

والدتها : وعليكم السلام بنيتي كيفك اخبارك 

نورا ببكاءٍ جاهش : أنا لست بخيرٍ يا أمي أنا لم اعد مثل السابق لم اعد تلك الطفلة التي ربيتيها يا أمي فقد نزعت كل شيء و القيته بعيدًا عني قد صدق والدي القول هنا ليس بالمكانِ الجميل، أماهُ أنا تعودت ان ارى كلّ شيئًا يحدث هنا اعتيادي و ليس بالخطأ حتى وقعت فيهِ يا أماه ما ذا افعل أنني أجرّ إلى طريقٍ لن أعود منه 

والدتها : بنيتي اهدأي و كل شيء سيعود لما كان 

نوا : كيف اهدأ بعد أن بِعتُ كل مبادئي

والدتها : لا أنت لم تبيعي شيئًا بُنيتي أنتِ استيقظتِ قبل أن تخسري . 

نوا : أنا لن اكمل هنا سأعود إليكم في الحال لا أريد البقاءُ اكثر فأنجرُّ اكثر مما جُررت فهنا لن أستطيع المحاولة وحدي 

والدتها: مرحبًا بكِ دومًا بنيتي 

ولم ينبلج ضوء الصباح إلا و افاقت نورا و ذهبت للمطار لتحجز في اول طائرة عائدةٌ لمصرٍ فهي لم تستطع البقاء اكثر وما ان وصلت لأرضِ الوطن حتى أجهشت ببكاء لم تستطع تمالك نفسها فهي لا ترى شيئًا سوى ذنبها و انها كانت ستتخلى كل مبادئها وك

ل ما ربت عليه فأخذت سيارة اجرة توصلها إلى بيتها وما ان وصلت حتى وجدت كنف عائلتها أبيها و امها يقفون فاتحين ذراعهم حينها شعور الأمان احتواها وسكنت نفسها من كل اضطراب لترتمي في أحضان والدها باكية تعتذر 

نورا : ابتاه أنا آسفة لانني لم أسمع لقولك

وادها : بُنيتي لا داعي لكل هذا فالحمدُلله أن الأمرُ لم يزداد سوءً. 

صوت بكاء مفاجئ يُخرعُ نورا من ذكراها تلك فتنظر اذ بأبنها احمد قد استيقظ من نومه فارتاع عندما لم يجدها.

نورا : لماذا تبكي أيها الشقي ماذا تريد اتريد حليبًا . 

حينها ارفت نورا لبنات اخيها قائلةً: 

 بعدما عُدتُ لكنف اهلي وعدت لما كنتُ عليه تزوجتُ بابن عمي محمد و رُزقت منه بأحمد ابني قرة عيني 

لذلك يا صغيراتي احذرا من أن تنجرفا وراء احلام باهتة على حساب ذاتكِ و مبادئكِ سترين انحرافًا كبيرًا حولكما و تنازلات كُثرٌ لا تُعد وسترين أعذارًا توهم الضعيف بأنها هي القوة ولكنّها هي أساس الضعف لذا انتبهن يا صغيراتي و لا تنيا في المقاومة و الثبات على مبادئكن والعودة دائمًا لمسقط رأسكِن عندما تبدأن بفقدانِ أنفسكم .


#فاطمة_نشوان

#فريق_جنين

#مبادرة_النسيم

تعليقات