《كُن مع الله يكُن الله معك》


أصوات صاخبة تتردد في أرجاء المعمل، الأصوات تدل على معركةٍ كبيرةٍ.

هرول شخص مُسرع، ودخل مكتب المدير دون إستأذان، رفع المُدير رأسه من كميةِ الأوراق أمامه غاضب من ذلك الشخص الهمجي، وبحدةٍ مُتجاهل وجهه المُتعرق نتيجة لتعبه المبذول أثناء قُدومه. 

المُدير قاسم بحدةٍ: أنسيت قوانين الأدب؟ 

الشاب بلع تلك الإهانة وتكلم بسُرعةٍ: إن ابنكَ أيمن يضرب العامل أحمد بوحشية.

وقف قاسم بسرعةٍ؛ ولكنهُ لم ينسى الرد على ذاك الشاب: المُدير أيمن هذا اسمه لا تنسى مرة آخر. 

الشاب لم يكترث لكلامه أو بالأصح قد أعتاد تلك الإهانات البسيطة، فالكبيرة أعظم مرارة، طأطأ رأسه وهمس: أسف. 

لكن داخله يتمنى لو ينقض عليه ويبرحه ضربًا فبرودة دمه وعدم إهتمامه لما يحدث مُبرر قوي لتربيته. 

نزل المُدير تلك السلالم براحةٍ ما إن وصل حتى أنصدم من ما رأى؛ لقد كان أحمد مُغطى بالدم وولده يضرب أحمد بوحشيةٍ، صرخ بصوت جهوري : يكفي. 

تلك الصرخة لم تكُن إلا صوت قط خائف أمام أصوات أُسود جائعة؛ لكنهم ألتزموا الصمت، نظر قاسم لوجه ابنه أيمن كان سليم تمامًا عكس أحمد الذي ينزف من أنفه، وفمه، وخدوش مُتفرقة بوجههِ، خاف قاسم أن يذهب أحمد لمركز الشرطة صرخ:الكل لعمله وأنتوا تعالوا. 

وقف أحمد بصعوبةٍ فهوَ يحس بالدوار وساعده صديقه ياسر. 

في مكتب المُدير. 

أخرجَ المُدير مبلغ بسيط وخبأه في كف أحمد وبحدةٍ تكلم: إذهب واشتري بعض المراهم لجروحك وإياكَ والذهاب لمركز الشرطة وإلا ستكون العواقب وخيمة. 

أحمد وضع المبلغ فوق الطاولة وخرج من المكتب، المُدير لم يهتم ولتفت لولده: لماذا ضربت أحمد؟ 

أيمن: طلبت منه طلب ولكنه رفض وهذا عقابه. 

عند حلول المساء خرج ياسر يبحث عن أحمد رأه في الشارع مُطأطأ رأسه، جلس جنبه ووضع يده على كتف صديقه وكأنه يقول له (أنا سندك) : أحمد لست مُضطر لتحمل أعمال أيمن، أيمن يكرهكَ بشدةٍ. 

أحمد: أتعلم لماذا يكرهني؟! 

_ لا أعلم. 

_لقد زار قريتنا وأنا أستضفته في بيتي؛ لكنه رأى أختي وطلبها لزواج. 

_ رأى أختك؟! 

_ نعم؛ لكنه إنسان حقير، صحيح إنهُ غني، وجميل، ومُثقف ولكن ما فائدة كُل هذا الصفات أمام الأخلاق، أيمن لا يمتلك من الأخلاق حتى أتفهها.... أنا مستحيل أزوجه أختي حتى وإن مُت. 

_كيف عرفت أن أخلاقه مُنحطة (إن بعض الظن إثم). 

_أتعلم كيف رأها!... لقد تركته في أحد الغُرف وذهبت لشراء بعض الأشياء اللازمة لعمل وجبة الطعام؛ لكن حدث خلاف بين أخوتي فخرجت أختي للصالة لتحل الخلاف؛ لكن أيمن عندما سمع صوتها ذهب واسترق النظر من الباب المُهتر كثير الشقوق الكبيره.

_ وما أدراكَ؟ 

_لقد رأتهُ أُختي. 

صمت كُل منهم، فماذا يقول ياسر ليخفف ألم صديقه؟ 

أحمد يبلغ من العمر ٢٤، لديه أُسرة صغيرة مُكونة من أُم، وأُخت، وتوأم(زينب، ومُحمد)، والد أحمد مُتوفي من عامين، أضطر أحمد للعمل من أجل أُسرته، تحمل مرارة الحياة بصمت؛ لقد جعل من جسمه حاجز قوي يحمي أسرته، يعمل بجد ويتلقى أبشع الإهانات، والضرب، والتعب من كُل مكان، ولكنه يدفن ذلك عندما يرى إبتسامة أخوته ورضى أُمه، لم يستطع إكمال دراسته؛ لقد كان يعشق الهندسة درس سنه قبل موت والده، ولكنه تركها، لم يفقد شغفه وحبه للهندسة فقد كان يتصفح الدروس عبر النت ويطبقها، مرراة الحياة جعلته يترك حلمه ويسعى خلف الرزق الحلال ليطعم أسرته؛ لكنه لم يحضى بعمل بسبب الشهادة الجامعية التي لم يحصل عليها، وبسبب فقره فهوَ لا يملك المال حتى يعمل بوساطة كما هوَ شائع في زمننا هذا زمن الرشوة والوساطة. 

تلك الليلة لم تكُن ليلة عادية فقد كان أحمد يتألم جسديًا، وروحيًا، ولكنه مُلتزم الصمت مهما كان سيتحمل كُل شيء من أجل أسرته، إلا أنهُ إنسان وليس حديد، مهما كان حديد إلا أنهُ مسمار أمام مطرقة، مهما كانت قوة المسمار وصلابته إلا أن المطرقة تفوقه قوة وتمتلك القدرة على ضربه في الحائط ونزعه، ضاق صدر أحمد ولم يستطع النوم، ذهب للحمام توضى ومن ثم بسط سجادته ورحل إلى خالقه يتضرع له، ويطلب منه أن يمده بالقوة، كي لا يتحطم فتنهار أسرته. 

تحت تلة كبيرة يقبع هناك بيت قديم، يشع من البيت وميض خافت من أحد الغُرف، كانت الأم تجلس وهي تحس بألم يعتصر قلبها، الضيق مُتمكن منها. 

أتت ابنتها أسماء :أُمي...... لماذا لم تنامي؟ 

الأُم: أحس بضيق شديد في صدري، أحس بألم ينهش قلبي. 

_جلست بالقرب من أمها: عساه خير يا أُمي. 

_أخاف لو اصاب أخيك مكروه. 

_بهلع ردت : تفائلي خير. 

لم ترد الأُم فهذا ما تُحس به. 

أسماء: هيا لنصلي وندعي الله بأن يحفظ أخي. 

الأم ودمعتها خانتها فقلبها دليلها: صليت ولكن الألم لم يخف، فأخاك تحمل عبئ الحياة ومازال صغير، رحل اباكِ ورحلت معه راحتنا، أنظري لحالنا، أنظري للباب كيف مُهتر، وللجدران، و للأثاث. 

أسماء مُقاطعة أُمها: ماهذا الكلام؟ أنتِ علمتينا الصبر والثبات، قولتي كُل ما يُصيبنا خير، وأن حالنا أفضل من حال بعض الأسر، وعلينا الحمد والشكر مهما كان وضعنا، إن كان خير فالحمد لله ليبارك لنا، وإن كان شر فالحمد والصبر لنحصل على الأجر والثواب، إن في الشر يوجد الخير الكثير، وأن من صبر نال ثمرة صبره، وقولتي إن أحسسنا بضيق لا نتشائم؛ بل نذكر الله ونصلي، ونستغفر، ونقرأ القرآن، هيا أُمي، نصلي ونقرأ القرآن وربي سيزيح الضيق من قلبكِ ويحفظ أخي. 

ذهبت أسماء لتتوضى، ولكن الأم أبتسمت، هذا كان إختبار تختبر صبر أسماء، صحيح حالهم تدهور، فقد باعوا أراضيهم وبيتهم ليعالجوا ياسين والد أحمد، ولكن شاء الله عز وجل بأن ترحل روحه لخالقها. 

الأم همست: الحمدلله الذي جعل بذور جهدي وتربيتي تثمر، أسماء أثبتت ذلك بكلامها، إن شاء الله أخواتها مثلها. 

أتت أسماء وبدأن يتضرعن لله عز وجل يمد أحمد بالقوةِ، ظلن يذكرن الله حتى أرتفع صوت أذان الفجر (الله أُكبر الله أُكبر) 

ذهبت أسماء توقض أخوتها يصلوا الفجر ويدعوا الله بكل ما يريدوا ولأخوهم أحمد. 

ذهبَ أحمد للمسجد كعادته، صلي وجلس يقرأ حتى تشرق الشمس، هذا ما تربى عليه من صغره، وما ليحدث في أسرته الصغيرة من المؤكد بأن أمه تصحح أخطاء أخوته عندما يقرأوا، ما إن تذكرهم حتى إنزاح الهم من صدره، في أحد الزوايا رجل مُسن ينظر لأحمد، وقف حتى أصبح أمامه وسقط أرضًا، ذهبَ أحمد بسرعةٍ : ماذا بك يا عم؟ 

الرجل المُسن: أحسُ بدوار. 

أحمد سانده حتى وقف: أين بيتك يا عم؟ 

الرجل المُسن: في نهاية الشارع. 

ذهبَ كُل من أحمد والرجل المُسن لبيت الرجل، أحمد تفاجأ من بيت الرجل؛ لقد كان كبير جدًا جدًا، والسيارات من حوله، همس كما أعتاد عندما يرى شيء رائع: ما شاء الله تبارك الله اللهم بارك لهم. 

اُعجب الرجل من كلامه وأخلاقه: يا ولدي أشكرك على مُساعدتك، وأدعوك لوجبة الفطور. 

أحمد التفت لرجل: لا لا أُريد، هذا واجبي، الآن اسمح لي فلدي عمل. 

جاء شاب بسرعةٍ وكان عمره مقار عمر أحمد تقريبًا، يحمل في يده كتاب هندسة رأه أحمد لكنه نظر للأرض الشاب مسك الرجل: جدي ماذا بك؟ ومن هذا الشاب؟ 

الرجل: أحسستُ بدوار وهذا الشاب ساعدني، ولكنه رفض تناول الطعام معي. 

الشاب نظر لأحمد الذي مُطأطأ رأسه: لماذا يا أخي، رفضت طلب جدي؟ 

رفعَ أحمد رأسه وأبتسم لشاب، ولأخلاقه فكلمة أخي تدل على شيمه العظيمة. 

أحمد: أشكركم ولكن لدي عمل. 

الرجل: يا ولدي، إن كان لدي معزة فتعال تناول الطعام معي ثم إرحل. 

بعد عناء شديد وافق أحمد وتناول الطعام معهم؛ لكن لم يكُن هذا مقصد الرجل؛ لقد كان يريد معرفة المشكلة التي حدثت لأحمد ويساعده، أتفق مع حفيده عندما رأوا حال أحمد بصلاة العشاء، طلب الجد من أحمد يخبرهم من ضربه؛ لكن أحمد رفض وبشدة، الرجل: ياولدي، حلفتك باللهِ قُل لنا من عمل بك هذا؟ 

أحمد بهلع وخوف من الله، وخوف بأن يفقد وظيفته التي تعب حتى نالها صحيح يتلقى الإهانات ولكن أستطاع إشباع أسرته من الراتب الذي يقبضه آخر الشهر: أرجوك ياعم...

قاطعة فؤاد: جدي إذا قال كلمة لا يتراجع، فلتقُل يا أخي، نحن معك. 

لم يتكلم أحمد، سيتحمل كُل الصعاب، هو رجل والرجال قُلوبهم من حديد وأيضًا خلف ظهره توجد أسرة؛ لذلك صمت. 

الجد: أعلم أنك تعمل بجد، ودون ملل أو كلل عند محل لصنع الأبواب في نهاية الشارع من جهة الشرق؛ لقد رأيتك وتابعتك، ولكن ما حدث بك لا يُغتفر 

، حلفتك بالله أن تقُل لنا. 

أحمد وافق آخيرًا وسرد لهم القصة، غضب الجد ولكنه صمت بحكمة ووقار، أما فؤاد وقف بحدةٍ: سأكسر رأس أيمن الوضيع عديم الأخلاق وأباه قاسم. 

وقفَ أحمد بسرعةٍ: إياكَ إياكَ، باللهِ عليك فالتهدأ لا أريد فَقْد عملي. 

_لماذا تخاف منه؟ 

_بحدة: فالتصمت، أنا لا أخاف من أحد إلا من الله عز وجل، إن ننظر للأرض هذا ليس دليل ضُعفنا، لدي أسرة إن أنكسرت سينكسر الحاجز الذي بنيته من جسدي لأحميهم، إعلموا بأن المطرقة مهما حاولت نزع المسمار؛ لن تنزعه إلا عندما يفقد الثقة بنفسه، سفرة دائمة إن شاء الله، أطعمكم الله. 

ثم ذهب.

فؤاد : ماذا يقصد بكلامه؟ 

_يقصد بأنه مسمار صُنع من الحديد الصلب ثُبت على خشبةٍ أو حائط وخلف ذلك الحائط عدة مسامير، المطرقة تحاول نزع المسمار حتى يصل للمسامير التي خلف الحائط خلف الحاجز؛ لكن لن تستطيع المطرقة نزع المسمار اي نزعه إلا عندما يفقد المسمار ثقته بنفسه، عندما يتراخى المسمار، أفهمت يا ولدي؟ 

لكن لن نتركه الله أعطانا خير كثير الحمدلله؛ لذلك وجب علينا السعي وراء الناس المُحتاجة ونساعدهم وإن شاء الله يتبارك رزقنا، قُم نساعد أحمد ونأخذ حقه من الظالم. 

_لكن يا جدي، أحمد سيرفض.

_هيا لم يبعد كثير، قُم. 

ذهبوا بسيارتهم إلى منتصف الطريق ونزل الجد مع فؤاد، أحمد ينظر لهم:ماذا تُريدوا؟ 

الجد: في رقبتي دين وأنا كبير بالسن أُريد تسديده قبل أن أموت. 

_لم أفهم! 

_عندما كُنت شاب، كُنت فقير ساعدني رجل غني بمال كبير جدًا، وعندما تحسن وضعي ذهبت لإرجاع المال؛ 

لكنه رفض أخذها وقال لي: إن رأيت شخص مُحتاج ساعده و بهذا ترد دينك الذي عليك لي. 

_ لكن..

قاطعه الرجل: أمضيت عُمري أبحث عن الشاب ذو أخلاق عاليه يستحق المساعدة ولم ألقى؛ لكن الحمد لله رأيتك قبل أن أموت؛ لقد حان الوقت لإرجاع المال.

ذهبَ  أحمد والرجل المُسن وفؤاد ورفعوا قضية وتم مُعاقبة أيمن، الرجل المُسن أعطى أحمد محلًا يعمل فيه والربح ينقسم بينهم، أستطاع أحمد العيش بسلام وكذلك أسرته، وأكمل دراسته؛ لقد كان يدرس في الصباح وما إن يرجع حتى يفتح المحل ويبيع الأدوات الإلكترونية، تخرج من الجامعة وتحسن وضعهم وحمدوا الله على النعمة، وكل أمره لله وصبر، رِضى أمه ودعاء أخوته له جعلته قوي، عند الإتحاد قوة عظيمة؛ ليس الإتحاد بالعمل فقط حتى بالدعاء، ومن وكل أمره لله ما خاب ظنه، الحمد لله دائمًا وأبدًا.


*كُن مع الله يكُن الله معك*


#بشائر آل صلاح /لهيب الثلج

#فريق وطن

#مُبادرةالنسيم

تعليقات