قبل عقودٍ مِن الآن كان الوطن العربي يضج بالاِحتلالات الفرنسية والبريطانية، الإسرائيلية والأمريكية، والعديد من الحروب الداخلية والخارجية، وإن أجزنا في القولِ أن الوطن العربي كان ساحة حرب مُستعرة، ثارت الشعوب، التحمت العقيدة، وانفضَّت الأحزان، العديد من الثورات اِتَّقدت بشتى أنواعها، وما إن تحرر شعب حتى قام مساندًا لأخيه، وأما عن الفرحةِ فكانت تَعُم أرجاء الوطن العربي؛ لِتحرر ولو جزءٍ بسيط من أراضٍ إلى الحريةِ تتوق، لكن ما نشهده اليوم تنِد له جبين العروبة خِزيًا، أكثر من نِصفِ قرنٍ وسوريا تحت القمع والتعذيب، عاشوا الذُل بأنواعه، الفُقد بمرارتِه، هنالك من مات جوعًا، وهناك قهرًا وحُزنًا، آلاف الأحلام زُجت بين سراديبِ الظلام، اليوم صيدنايا وآلاف السجون من جِنسِها يتحدث عن حَلكة وقسوة هذه الأعوام السوداوية تحت كهنوت الأسد وجماعة النِظام الفاشي، وديكتاتوريته الآثمة بحقِّ الشعب والإنسانية عامة، وكُل قولٍ يُهزم أمام ما عاشته سوريا وأبناؤها الأكارم، لنكتشف أن هذا العالم فاشل وكل منظماته المزعومة، أين كانت منظمة حقوق الطفل، وأصغر سجينٍ سوري يبلغ من العمر أربعة أعوام؟
أين هيَ حين يعذب طفلًا لم يتجاوز السادسة عشر من عمرهِ، بتهمةِ أن أبيه رَفض الظُلم الحاصِل بحقهِ وشَعبه؟
أين مُنَظمة حقوق المرأة حين ما أُغتصبن آلاف الحرائر خَلف قُضبان الأسد وجماعته؟
أين هيَ وعَذارى الأمس يخرجن اليوم أمهاتٌ لأطفالٍ لا يعلمن آبائهن؟
وأي ذَنبٍ أقترفه أولىٰٓك الأطفال حين أصبحوا وَصمة ألم لأمهاتِهم، ومِلحٌ لجراحِ الأمس؟
ثلاثون سجينًا في زنزانةٍ لا تتسع لثلاثة أفراد، يُوضع البريئ بين نَعلي المُجرم ليُحَقق معه، يُرمى المُعذب للموت يقتاته رويدًا، عشرات الآلاف في السجونِ بتهمةِ المعارضة، والتي هيَ من حقِّ أي شعبٍ حر برفضِ الظُلم وقَمع الباطل.
خمسةٌ وخَمسون عامًا تَحجرت الأصوات في الحناجِر، كم مِن غُصةٍ بُلعَت قَهرًا، وكَم مِن جُرحٍ ضُغِطَ عليه زَجرًا، أمهاتٌ ثُكِلتْ وما كان لهن الحق بأخذِ الحق لابناهن المقتولون ظُلمًا، بُحَتْ أصواتهن، وتعالى أنينهن، والعالم أصم لا يسمع عدا موسيقى الظُلم، يتمايل على أنغامِها، ويُصفِق لصرخاتِ الضحايا، إذا اضطر الأمر قرأ خِطابًا وعاد إلى مِهادِه يتمضجع وكأن شيئًا لم يَكن، ما زالت سوريا يومٌ بعد يوم، بكل ذِكرى، وماضٍ دَفين وكُل أرضٍ عربية تُسطِر الحَقيقة بِحبرِ الألم، يَكِشفن لعالم الزيف فشلهِ الذريع بحق الإنسانية والإنسان، واِنحيازه المُخزي لأديانٍ مُعينة وأجناس، ما زلن يصححن له اِتهامه لمن يدعم المسلمين في مصابِهم بأنهم معادون للسامية، فإن كان كذلك فماذا يُسمي اِنحيازته وتكتمه عن حُقوقِهم المَبتورة، حَقيقةُ الأمر والتي أصبحت كالشمس أن هذا العالم بأقواله عن العدل الكاذبة؛ عدوًا لديننا الأبي، حَيث وجد به الصفاء والعَدالة؛ فخشيَ على دناستِه مِن المَحو، اليوم من كان لا يرى هذه الحقيقة الساطعة بزواياها الأربعة؛ تعازي لضميره الميت، وقلبه الكَفيف، ومِن يَجد في خافقه أدنى ريب حول ما يحدث في سوريا فأي إنسانٍ أنت قبل إسلامك وعروبتك؟!
حَقتْ عَلينا الفرحة بهذا النَصر، وحَقَّ على قلوبِنا الاحِتفال، خمسة عِقود مِن الظلام أليس من المُعيب عدم الابتهال بنورٍ مِن دجاه سَطع؟
بلى وربي لنفرحن، ولنشعل الياسمين والبُن فرحًا، على أملِ أن يينع الزَيتون نَصرًا.
> #جَنَّات_ السَّعِيدِي.