سلامًا طيّبًا، وبعد:
منذُ أن حزمت أمتعتك وهَممت الرّحيل، وأنا أمسك على قلبي بكلتا يدايَ، قلبي الذي كاد أن يرضّ قفصهُ الصدري محاولًا اللّواذ من طعنات الشوق، لطالمَا دثّرتهُ الليالي أربتُ عليه وأواسيه بعودتك، وكم قصصتُ لهُ الأساطير وشدَوْتُ لهُ الأشعار، وزمّلتهُ بأناملي حتّى هدأ.
أناملي التي لم أخبرك أنها قد تجمّدت طويلًا إثر صقيع الوحدة؛ لطالما انتظرت يداك لتُصافحها وتخبّئها في باطن كفيك الدّافئة، والأماكن كلّها قد أُطْفِئَت سراجاتها منذُ رحيلُك لم يسكنها سوا العتمَة.
دقّت نواقيس الخوف والرّعشة في جميع أنحاء جسدي، وامتدّ صداها خارج الأرجاء، وصل الخوف إلى كُلّ الأمكنة، سكن الحديقة، واقتحم منزلي، جثم على أريكة الجلوس عصرًا، واختبأ ليلًا تحت وسادتي، تسلّل فجرًا إلى خزانتي وارتدى ثيابي، ثمّ استحال كافينًا في المطبخ، فاحتسيتهُ في القهوة عند ذهابي؛ حتّى بات ساريًا في جسدي.
لطالمَا انتظرتُ ولو زيارةً منك تطمئنّ بها عليّ وترى حال صغيرتُك من بعدك، لكنّك كُنت سرابًا، لا أنا استطعت المجيء إليك، ولا أنتَ عُدت إليّ.
ختامًا، الآن قد تحوّل كل شيءٍ إلى ماضٍ لم يعُد، ذكريات على هامش الذاكرة لا تكادُ تُذكَر، غادر الشّتاء وعاد ربيع الأمان، توارت الأصابع في أحضان الجيُوب، وشيّد الفؤاد عليه قفصًا فولاذيًّا؛ فلم يعُد في إمكان أيّ طيفًا بالدّخول.
رمّمت منزلي وبدّلت الأثاث، غيّرت خزانتي، واشتريت ملابسًا أخرى، غيّرت السرير والوسائد، وتخلّصت من أشياؤُك كافّةً في حاوية النّسيان.
الحديقَة عادت مورقَةً، والجسد يافعًا، والعينين برّاقةً، والسنّ ضحوكًا.
فقد طُوِيَت صفحتُك منذُ زمن وأُغْلِقَ الكتاب، وماعاد مُرحّبًا في عودتك ولا عليك السّلام إذا جأت، عُد إلى ذلك الغياب ولا تعُد، وتذكرّ "من لم يزرنا والدّيار مخيفةٌ، لا مرحبًا به والديار أمان".
#نورا السُليماني.