«صراعُ الإبداعِ بين الأدباءِ والذكاءِ الاصطناعي»


مع التغيرِ السريعِ لـملامحِ العصرِ، والانجذابِ لكلِّ مظاهرِه التي تبدو مزخرفةً من الخارجِ بينما يكمنُ في خباياها تأثيرٌ مغناطيسيٌّ للدواخلِ الإنسانيةِ، فالأيامُ باتتْ تجري بسرعةٍ كسرعةِ التطورِ التكنولوجي؛ لكن هذه السرعةُ فتحت عقولًا مؤصدةً لِما هو غير معهودٍ، وأغلقت بوابةَ التفكيرِ التي كانت تغزو ألبابَ البشرِ في القرونِ السحيقةِ.

لقد أصبحَ اعتماد الكُتَّاب هو نشرُ فكرٍ خياليٍّ حالمٍ، فقد ماتت في بواطنهم المشاعر الجياشة، والعاطفة الصادقة، وهم يزينون كتبهم بألوانِ السجع المتكلف، وتحسين اللفظ دون المعنى، وربما كان ذلك من تأثرهم بالذكاء الاصطناعي الذي توغلَ في أصالتنا كعربٍ، وأصبح العقلُ البشريُّ يستعين بعقل الآلة حتى تبرمجَ على منوالها، وتحجّر القلب وتصلّب كصلابةِ تلك البرامج التي لا إحساس لديها، فتخيّل معي مدى خطورتها على حصر الأذهان، وإحاطتها بأسوارٍ منيعةٍ لفكرها المعتاد، فالكاتب أصبح متكاسلًا عن البحث، والتنقيح، والتهذيب، فكل هذا يحتاج إلى حنكةٍ وجهدٍ، ولم يجد ما يفكُّ عقدة تكاسله إلا هذا البرنامج الذي قد يولِّد لديه فكرٌ علمانيٌّ صنعه الغرب، وجعلوه بمتناوله بشكل مخيف، يتخبّط في لُب المظاهر، يُجابهُ صراعَ العقل المتزعزع، تستبيح دواخله تأثيرات سرعة العصر، ويُكبل خلاياه تصفحٌ مبرمجٌ؛ لهدف الانصراف العقلي، حتى أصبح داخل قضبانِ سجونه؛ ليندثر الفن البشري الأدبي، ويُطمس ميراث الأمة اللغوي، ويسلّط إقرارًا بإبادة الإبداع الإنساني، ظناً أنه يصلح اعوجاج نصوص الأدب العربي الأصيل.

فمثلًا من أراد أن يكتب أدبًا يحتاج لفكرة توقظ الإلهام لديه، وهذه الفكرة يستلهمها من هذا البرنامج الذي يعمل كفتيل ليحرق مكانة العقل البشري الخصب فيقدم عدة أفكار جاذبة له، وبعد الفكرة يطلب عنوانًا ملائمًا لها إلى أن يأخذ نصًا متكاملًا منه مجردًا من المشاعر الإنسانية المتأججة، غير لاهبة للإحساس والضمير، فيحسب أنه لن يُعرف من القراء ذوي البديهة الفذة، ومثل هذا يجب ردعه وإفاقته من ظلام العصر، ومن كونه أديب حتى لا يتمادَ في التلاحم مع هذا الفكر، فيصبح أكثر اعتمادية عليه، ويسلك منحى مغاير للمنحى الفكري العريق، فالهوس التكنولوجي بات منتشرًا في أواصرنا الثقافية، متلاعبًا بأفكارنا ومبادئنا، فعالمنا أصبح يبدل في أجهزة التواصل أكثر من اقتناء الكتب، فانطفأ سراجٌ كان متقدٌ منذ عصور، واقتصرت ثقافتنا عليها، فـبِتنا نتحرك تحرك الآلي، ونفكر بعقلٍ لا روح فيه.

يقول أحدهم: الذكاء الاصطناعي لا يولد الأدب بل يقتصر على توليد الحكاية لأن الأدب إبداع بشري. 

ويسألونك عن الذكاء الاصطناعي فقل لهم فيه ضررٌ كثيرٌ ومنافعٌ للمتقاعسين، وضرره أكبر من نفعه، فالأدب يتطلب تفاعلًا عميقًا بين الأديب وجمهوره، أما الذكاء عبارة عن خوارزميات بلا روح، فلا يمكن لهذه التكنولوجيا أن تحل محل الإبداع البشري.

ختامًا: الأدب بقدر ما يثير الدهشة، فإنه يستطيع أن يتأقلم مع الثورة التكنولوجية، ويظل الإنسان العنصر الأساسي في توجيه هذه الأدوات وتحديد قيمتها؛ لذلك عليك يا من أردت الارتقاء بالأدب أن تجاهد نفسك على التزود بوقود المعاجم اللغوية، والتوسع أكثر في القراءة؛ لتمنح العالم أدبًا صادقًا لا مثيل له على الإطلاق.


*# خديجة لرضي.*

*# فريق جنين.*

*# مبادرة النسيم.*

تعليقات