*وهمٌ باقٍ، وحقيقةٌ تَفنى*


ها أَنَا ذَا، أُمسِكُ القَلَمَ بَينَ أَنَامِلِي الهَزِيلَةِ، وَأُفرِغُ ذَاتِي عَلَى صَفَحَاتٍ خَالِيَةٍ، إِلَّا مِن حُزنٍ يَسكُنُهَا، وَذِكرَى تَأبَى أَنْ تَندَثِرَ، فِي زَاوِيَةِ الغُرفَةِ العَتِيقَةِ، تَقِفُ الشُّمُوعُ خَافِتَةَ النُّورِ، تَتَمَايَلُ أَلسِنَتُهَا كَأنَّهَا تَرثِي قِصَّةً نُسِجَت مِنَ الحَنِينِ، وَتَحتَرِقُ كَمَا يَحتَرِقُ الفُؤَادُ بِصَمتٍ لَا يَسمَعُهُ سِوَى اللَّيلِ.

عَلَى طَاوِلَةٍ عَتِيقَةٍ، وَبَينَ ظِلَالِ الشُّمُوعِ وَرَعشَةِ الحَنِينِ، أُمسِكُ قَلَمِي المُرتَجِفَ، وَأَسكُبُ رُوحِي فَوقَ الأَورَاقِ الصَّامِتَةِ ؛أَأَكتُبُ لِأُضِيءَ سَوَادَ اللَّيلِ، أَم لِأُطفِئَ لَهِيبَ الذِّكرَى؟ أَأَنَا أُنقِشُ الكَلِمَاتِ، أَمِ الكَلِمَاتُ تَنقُشُنِي؟ أَأَنَا الأَسِيرُ أَمِ السَّجَّانُ؟ أَأَنَا الصَّوتُ أَمِ الصَّدَى؟

أَمَامَ النَّافِذَةِ، حَيثُ المَطَرُ يَعزِفُ سِيمفُونِيَّةَ الوَحدَةِ، وَقَطَرَاتُهُ تَهمِسُ بِأسمِي فَوقَ زُجَاجٍ بَارِدٍ، أُحَاوِلُ رَسمَ الكَلِمَاتِ، لَكِنَّ الوَرَقَ يَخُونُنِي، وَالقَلَمَ يَرتَجِفُ فِي يَدِي ؛تَارَةً أُنظِّمُهَا كَقَصِيدَةِ أَمَلٍ، وَتَارَةً أَذرِيهَا كَرَمَادِ حُلمٍ احتَرَقَ فِي مَهَبِّ النِّسيَانِ.

يَا قَلَمِي، أَمَا تَعِبتَ مِنَ الشَّكوَى؟ أَمَا مَلِلتَ مِن رَسمِ الأَوْجَاعِ عَلَى صَدرِ الوَرَقِ؟ أَأَنتَ صَوتِي أَم صَمتِي؟ أَأَنتَ نَجِيِّي أَم سِجَانِي؟ آهٍ مِنكَ، وَمِنِّي، وَمِن ذَاكِرَةٍ تَأبَى أَن تَهدَأَ، كَبَحرٌ هَائِجٍ لَا يَعرِفُ سَكِينَةً.

أَيُّ لَيلٍ هَذَا الَّذِي يَتَغَلغَلُ فِي أعمَاقِي؟ وَأَيُّ ظَلَامٍ ذَاكَ الَّذِي يَختَبِئُ خَلفَ نَظَرَاتِي؟ أَأَكتُبُ لِأُطفِئَ نِيرَانَ الذِّكرَى، أَم لِأُشعِلَ مَا تَبَقَّى مِن حُلمٍ كَانَ؟ يَا لَيلُ، أَمَا آنَ لِهَذَا القَلبِ أَن يَستَرِيحَ؟ أَمَا آنَ لِهَذِهِ اليَدِ أَن تَتَوَقَّفَ عَن خَوضِ مَعرَكَةِ الكِتَابَةِ الَّتِي لَا نِهَايَةَ لَهَا؟

أَمُدُّ بَصَرِي إِلَى النَّافِذَةِ، فَلَا أَرَى إِلَّا العُتمَةَ تَتَوَسَّدُ الأُفُقَ، وَوَمِيضَ شُمُوعٍ تَنطَفِئُ وَاحِدَةً تِلوَ الأُخرَى ؛كَأنَّهَا تَحكِي قِصَّتِي ؛قِصَّةَ قَلبٍ كَانَ مُشتَعِلًا، ثُمَّ خَبَا، ثُمَّ صَارَ رَمَادًا فِي مَهَبِّ الرِّيحِ.

كَأنَّنِي ظِلٌّ، وَكَأنَّنِي لَستُ هُنَا ؛أَتَرَاقَصُ بَينَ العُتمَةِ وَالضَّوءِ، بَينَ الحَرفِ وَالصَّمتِ، بَينَ البَقَاءِ وَالغِيَابِ، أَأَكتُبُ إِلَيكَ، أَم أَكتُبُ عَنكَ؟ أَم أَنَّنِي أكتُبُنِي، وَلَا أَدرِي؟

تَتَمَدَّدُ الأحرُفُ عَلَى الوَرَقِ كَدُمُوعٍ أَبَتِ السُّقُوطَ، وَكَأنَّهَا تُحَاوِلُ البَقَاءَ، وَلَو فِي ذَاكِرَةِ دَفتَرٍ مُهتَرِئٍ، هَل سَأَكُونُ سَطرًا يُقرَأُ يَومًا، أَم أَنَّنِي سَأُطوَى كَمَا طُوِيتُ فِي زَوَايَا النِّسيَانِ؟


`#أبرار_الدعوس`

`#فريق_نون`

`#مُبادرة_النسيم`

تعليقات