«خلف ستار الفلسفة»


استيقظت على رنة الجرس، ذهبت لأرى فلم أجد سوى جريدة مرمية على الأرض أسفل الباب، كل مرة يرمونها من بعيد هذه المرة مع طرقة الباب، انحنيت لالتقطها وأغلقت الباب بملل، لا شيء جديد، لكن أشعر بأن هذه المرة سيحصل شيء مختلف اليوم، تأملت الجريدة بيدي لثوانٍ ثم فتحتها، وتلقيت الخبر الذي كان: سيقام في مساء هذا اليوم ندوة من إحدى أشهر الكاتبات.

ابتسمت؛ لأن هذه المرة حدث جديد.

في المساء ارتديت زي رسميًا، وذهبت متشوقة لما سيجري وكيف ستكون فهذه أول ندوة لي أحضرها، دخلت إلى المسرح وكان الجو غامض نوعًا ما، المكان مظلم واضواء مسلطة على المسرح فقط، وهناك ستار يغطيه لم يفتح بعد، و في بدايتها يوجد صندوق وفوقه ميكروفون، والجميع ينتظر الندوة بفارغ الصبر، وما زال هناك أشخاص يأتون، ومن يبحث عن مقعد، حتى امتلئ المكان، وهمسات خفيفة تسمع من الحاضرين.

في بداية القاعة كراسي لكبار الشخصيات، وخلفهم أقاربهم، وبعدها الحضور، صمت الجميع فجأة حين فتح الستار على الكاتبة، صفق الجميع لها ثم عم السكون وسمع نقرات خفيفة على الميكروفون، ثم قالت: اهلًا بكم جميعًا، وشكرًا لحضوركم، أنا الكاتبة، ويسعدني أن أكون معكم في هذه الندوة حول مواضيع كثيرة مثل: العطاء والعلاقات السامة، وغيرها من الأشياء التي توثر علينا بشكل سلبي.

هذا ما كنت انتظره مواضيع حول العلاقات وكيف أن الشخص مهما يعطي وكأنه يملأ كأس ماء مثقوب، وبدأت تتكلم والجميع ينصت، والبعض يضحك بعض الفكاهات التي تقولها، كنت مندمجة ومتأثرة معها كثيرًا حين قالت: لكل منا طاقة محدده أن استهلكها بغير محلها سيهلك حتمًا، فبعض العلاقات استنزاف للروح، والعقل قبل القلب، فالقلب في الخطر يعوم، أنت تعطي أكثر مما تأخذ، كمن يسقي طين دون بذرة وينتظر الثمار، لا تصبر على الجفاف وحوليك مياه كثيرة، ولا ترجو التغير فالعمر يمضي، وهذا من وقتك ايضًا، متقلب الود لا يؤتمن وإن جاء معتذرًا يحمل قصورًا وذهبًا، فهو يعيد ويكرر، فكيف لك أن تؤمن شر الليث إن جاع؟

بينما أفكر نظرت حولي، وكم عدد الأشخاص هنا، فمنهم متقلب الود ومنهم ضحاياه، شدتني فتاة خلفي بمسافة تبتسم ابتسامة تحمل في طياتها مشاعر مكبوته، ورأسها منحني تارة، وتارة تنظر بعين حزين عيناها تتلألأن مع الاضواء وكأن الدموع بدأت بالتجمع، كانت كزهرة ذابلة بين الحضور قد انهكها المطر، فاجئتني برفع يداها وظليت اراقبها.

نظرت الكاتبة إليها وقالت: تفضلي أنتِ التي رفعت يداها.

سلط الضوء عليها، ونهضت الفتاة بثقة، وبصوت مبحوح يخفي ألم مدفون: جميعنا نعلم بمدى تأثير العلاقات السامة على نفسيتنا، وكيف أنه يأكل الشخص ويضعه في دوامة القلق ويبدأ ينخره كدودة الخشب، لكن ماذا لو كان متقلب الود هو أباك؟ أو أمك؟ أو إحدى اخوتك؟ كيف ستهربين؟

ظلت الكاتبة تسمع الفتاة بصمت وبملامحٍ جامدة ولم ترد عليها، وقالت: نعم يا أصدقاء، كما اخبرتكم أنفسكم ملكٌ لكم، لا ترضون بظلم المشاعر، ولا تخضعون بتلاعب الاشخاص عليكم.

وبينما الكاتبة تتحدث ظلت الفتاة واقفة، والدموع تسيل من عيناها، وتلامس وجنتيها الناعمة، وقاطعتها بصوت مرتفع: جميعنا نستطيع الفلسفة، ناخذ نظارة وقلم، وملابس رسمية، لكن ماذا نخفي خلف عقولنا المقنعة؟ نرتدي الفلسفة لنغطي على أفعالنا، وكتاب على اليد اليسرى ليوحي باهتمامنا للكتابة، وقلم باليد اليمنى قد جف حبره، واستحوذت الهواتف عليه.

تقفين على خشبة المسرح وتكرمين لجمال سردكِ، لكن هل تساءل أحد يومًا بعدما تخطين أرقى المعاني، وأنبل العواطف، والمشاعر التي تضعينها كبصمة ترى، هل  تفهمين معانيها؟ أو مجرد سرد أردتي الفوز بها؟

بدأ هماس الحاضرين يسمع بشكل واضح، البعض تعجب من فصاحة الفتاة التي لم تتجاوز الخامسة عشر بعد، والبعض يتمتم ويتسائل ما قرابة الفتاة بها؟ والبعض يشتم والكثير من اللكمات المداوية والجارحة.

ابتسمت الفتاة واردفت: تذوقت حلاوة كتاباتكِ في كتاب يصف حنان الأم، واجتاحتني مشاعر الفقد، ونسجتي من خيوط أحرف اللغة العربية خيمة الحب التي فقدتها منذ إن سيطرت الأنانية عليكِ، وبعتاب يمزق القلب كتبتِ عن متقلب الود، والأسى إنك لا تنظرين لنفسكِ، لا تختبئي خلف المثالية، ولا تسطري أحرفًا لم تلامس قلبكِ، وتلقي كلمات لم تطبقي نصفها، تفعلين عكس ما تقولين، في كل ندوة تفعلينها احضرها، واغادر منسية لذاتي، لكن هذه المرة ليعرف الجميع عما تخبئة الكاتبة خلف ستار خشبة المسرح، لطالما بحثت في كلماتكِ عن دفء صادق ، لكن لم يصلني سوى السخرية.

وغادرت الفتاة تاركة الجميع بحالة من الصدمة، والكاتبة غادرت المسرح باكية، قد حرق عليها ما كانت تحلم به، وهو أن تكن هنا يوما من الأيام.

كم أن الحياة غريبة، لكل شخص حكاية يبحث عنها ليبكر، فمثلًا: الصحافة، تكتب عن فضيحة أحدثت في المسرح، وبعض الكتاب يشتمونها؛ لعدم قدرتها على تطبيق ما تقول، والاخرين متعاطف مع ابنتها، والبعض معها، وأنا أحكي قصتها ليعرف الجميع.

 ابسط الأفعال، كشرب الماء، إذا لم يؤثر عليك، فلا داعي بأن تكرر بلا معنى، صحيح لا يجب عليك تطبيق كل ما تقول، لكن على الأقل لا تفعل ما يناقضك، كترك أطفالك من أجل اعمالك، أو ممارسة النرجسية وقتما تتورط.


#منى_علي♡.

#فريق_النخبة♡.

#مبادرة_النسيم♡.

تعليقات