قبل أكثر ما يُقارِب ستة عقود، كانت اليمن تشهد أوضاعًا مأساوية، تُهضم جُملة حقوقها الإنسانية، من تعليم، وصحة، ووجودٍ إنساني لأفرادها، حتى أن الرَجل لا يحق له أن يكون غير مُزراع، أو صياد، وإلا خادِمًا للإمام، أو الاستعمار، وتسلب محاصيله، وأرضه، ولا يحق له التفوه بحرفٍ واحد، لقد كان ثمن الرمق الأخير من الحياةِ هو الصمت، حتى عزف الناس عن طلب العلم، وطغى عليهم الجهل، نصَّبوا أعينهم حول شيءٍ واحد، كيف يدبروا قوت يومهم؟
الجوع كان أكثر من الشبع، لا تُتخم إلا بطون الحُكام والمُسعمرين، وأما عن المواطنين بالكاد يسدون ثغرة جوعٍ تقيهم الموت... حتى قامتا الثورتين السبتمبرية والأكتوبرية، وبدأت وطأت العيش تخف عن ظهرِ الشعب، وبدأت أعينهم تلتفت لما هو أهم من الطعام، فُتحت المدارس، وازدهر الطِب، وأصبح للمواطن في أرضه حياة...ما لَبِث هذا الشعب في رفهه، حتى عادت إليه الحرب؛ لتأكل الأخضر واليابس، ويعود ليقتات فتات المسؤولين من جديد، وبدأوا بمحاربة الحياة من المدارس؛ لأنهم يعلموا أن شعبًا يفقه لا يُداس، سلبوا المعلم راتبه، والطالب حق تعليمه، دمروا المدارس، والجامعات، وملأوها بما يطيب لهم، ويدعم عنفوانهم... حتى اليوم وهذا الشعب من محنةٍ إلى محن، من نكبةِ إلى نِكاب، بين سراديب الجهل والجوع يتقلب في ضياع، لا مساند يدعمه، لا صوت يصرخ من أجله، على لسانِه لجامٌ من نار، وفي يديه أصفاد المعاناة، نزوحٌ يتلوه نزوح، ووجعٌ من صلبِه أوجاع، عليه أن يعيش ميتًا ألف مرة، ويحيا على ذاتِ الحسرة، يضحك الحُزن، ويبكي دهره، ما ذاق السُعد إلا في اسمِ أمه، ما أدرك الحياة إلا في عمليةِ تنفسٍ شهقت الوجع وما زفرت قهره... قالوا لا يموت أحدًا من الجوع، باليمن مات المئات من الجوع، حتى أن الإحصايات أسفرت عن موتِ طفلٍ يمني كل يوم، والسبب في ذلك الجوع، ومن ثم ماذا لهذا الشعب بمعدته الخاوية، ووجهه الأشعذ؟
يجاهد بصوتِه الواهن، بروحه المنهكة، أرق قلبًا، وألين فؤادًا، يموت كل يومٍ قهرًا وحزنًا إن لم يكن فقرًا وجوعًا.
#جَنَّات_السَّعِيدِي.
#فَريق_الضَّـاد.