أن تُحبّك فتاة من رُبوع «يافع» فتاة نُسجت من تراب الريف وضياء الفجر، تنهض مع طلوع الشمس، تُمسك بيد أمها إلى المزارع، تحمل الأعشاب على ظهرها كأنها تحمل أعمارًا من الصبر، تضع الكركم على وجهها لا طلبًا للجمال،
بل لأنها تعرف أن الجمال هو أن تنتمي للأرض.
تُتقن الطهو، لا لمجرد ملء البطون؛ بل لأنها ترى في الطبخ لغةً تُخاطب بها القلوب، تُعدّ الطعام كأنها تكتب رسالة شوق في كل ملعقة، وتُجيد رعاية العائلة كما تُجيد الأمهات الواثقات جمع الشتات.
تحلب البقرة لا على مضض؛ بل كأنها تُمارس طقسًا من طقوس الحبّ الخفي، تستخرج منها حليبًا فيه دفءُ الصباح، تربّت على الحيوان الاليفة كما تربّت على ندبة لا تُشفى، تعرف كيف تحتضن العالم دون أن تطلب احتضانًا،
تحبّ الحيوانات… لأنها لا تكذب، ولا تغدر، تُحادثها، وتبكي معها لدرجة يُخيل لكَ مجنونة؛ كأنها تواسي الوحشة بوجود لا يخون.
تقرأ كثيرًا، تحمل الكتب كأنها تحمل مفاتيح النجاة،
تحبّ التعليم، تُريد أن تكمل دراستها، تريد أن تُصبح طبيبة لا تعالج الأجساد فقط؛ بل تلامس القلوب المُتعبة بحنوّ يشبه المطر، تتمنّى أن تُصبح كاتبةً مشهورة،
تملك مكتبةً عالمية تنام فيها الأرواح المنهكة بين الرفوف،
تحلم أن تكون رسّامة فذّة، أن تُلوّن وجعها على الورق،
أن تُترجم مشاعرها للغاتٍ يفهمها العالم أخيرًا.
تدلّلك، تتغنّج؛ لكن ليس كما تفعل الأخريات ..هي تتدلّل بعفويّة تسلب اللبّ، تُحيرك… كيف لفتاة تحمل الأعشاب على ظهرها، وتضع الكركم على وجهها، وتُجدّل شعرها الكستنائيّ المائل بالحناء؛ لأن هذهِ طقوس العادات اليافعية، لكن تفيضُ آنوثة وما نقص منها شيءً كما تَدعي الآخريات، أن تكون بهذه الأنوثة الصاخبة الهادئة في آن؟
أن تفيض أنوثة في زمن عقيم المشاعر، وتجعل من نقص غيرها… فائضًا في حضورها؟
تجالس الأطفال، تُرسم لهم الحناء على الأكف الصغيرة،
تضع لهم المكياج لا كزينة، بل كمهرجان حبٍّ صغير لا يدخله الكبار، تنعزل عن النساء العقيمات بالمشاعر، حتى القرييات، ونساء العائلة اللاتي يفيضنَ بالليل والقال الزائفُ الكاشد البخسِ تنسجم مع الأطفال،
تتحدث معهم بالساعات رغم شتائم أمها على إن كان الكلام فارغًا؛ لكنها تعرف أن الحضور وحده… هو المعنى.
ملامحها طفولية، عشرينية العمر؛ لكنك إذا نظرت في عينيها رأيت بُستانًا لم تقترب منه الحياة بعد،
لم تمر بمراهقة، كانت ناضجة كجذع تين، حتى إذا أحبّت صاحب الظل الطويل… انبثقت منها طفولة ناعمة، تعثرت، خجلت، خافت، وعرفت أن أول حبّ قد يكون أول كسرٍ أيضًا.
والآن على محيطُ الخوفِ خائفة…لن يأتي الذي يُرمّمها،
ستموت أحلامها وهي تتنفس، سيُطفأ نورها وهي ما زالت تحاول، ستُمحى من الذاكرة دون أن تُقرأ كما تستحق، لأنها تعلمُ بدلائلِ قاطعة إنها ستكون مع منَ لا يؤتمن لا بالعشرةِ لا بطول السنين لا بالكلامِ ولا على جسد.
كل هذا أنا…وأكثر من هذا كنتُ سأكون لصاحبُ الحبِ والظل العميق، كنتُ دعاءً لا يُقال على الملأ، ونسمةً لم تُرزق بالعبور إليك.
ويا صاحب الظل الطويل…إن كان حبّك عليّ حرام،
فهو في قلبي حلال، يزهر في صمتي، كجُرحٍ لا يُشفى…
لا يرضى أن يموت.
وربُ عيناكَ الجميلتين، راضية بالدفنِ حيةً، وما نقص من حُبكَ شي، ولو تساقط رجال العالمين كالمطرِ أمامي.
بوح ذات صبحٍ حزين
12.4.2025
2:25 am
#عهود_محمد.
#فريق_النخبة.
#مبادرة_النسيم.