|| حين يُغتالُ الحليبُ في فمِ الوليد، يُكتَبُ التاريخُ بالدمع لا بالحبر ||


يا صُغيري .. يا قَسَمَ الطهر المُسفوح في مِذبحِ الغفلة، لا بأسَ على قلبك الطريّ وقد شقّته القذائفُ كجُرحٍ باكر، ولا بأس على عينيك المُبللتين بنيرانِ الطغيان، وقد أبصرتَ بهما أول ما أبصرتَ، سُخام الحرب لا ضوء المهد.

أفزعوك .. لا، بل خضّوا عرش الرحمةِ فينا، تقدّموا على موائد الدم، وانتزعوك من أحضانِ الحليب، مضغوا طهرك الفتيّ بأسنانِ المجازر، ومزجوا دفءَ طفولتكَ بركامِ المنازل، فكنتَ أوّل من ذاقَ الفقدَ بلا مُقدّمات، وأصغرَ يتيمٍ يُدرجُ على خرائط الغُصّة.

قَطعوكَ من حضنِ أمك كما تُقتَل القصيدةُ في فمِ شاعرها، ورسموا على وجهك خريطةً لليُتم، وأنتَ لوتسٌ لم يُكمل انبثاقه،فلا البدايات تُنصفك، ولا النهايات تحتويك، لا بأسَ على روحكَ النقية، فما انطفأ فيكَ ليس سوى جمرةٍ تُخبّئ في قاعها وطنًا، وما سُرق منك سيعود، إذ في دمعك ذخيرة، وفي صمتك بيان، وفي أنينك سُطور لا يقوى التاريخ على محوها.

سيظنُّ الكلاب، أولئك الأنذال، أنهم حين أبادوا أهلكَ، ومسحوا اسمكَ من وثائقِ الوجود، وسلخوا ذاكرة المهد عن جدرانه، أنك ستتنازل عن ترابكَ .. ستنسى، ستحني رأسك كالعابر؛ لكنهم ما علموا أنّ في صدرك بوصلة لا تختلط، وأنّك إذا بكيتَ، فإنك تُبلّل جذور الزيتون لا ترابه.

هم نسوا – وللمأفونين ذاكرةٌ قصيرة – أن الحليب حين يُغتال، يُخلق في الطفلِ عرقٌ جديد من السلالة، سُلالة لا تستكين، لا تُهادن، لا تسهو، طفلٌ تُرضعهُ الكارثةُ، وتُهدهده القنابل، فماذا يُنتظرُ منه؟ يُنتظر أن يُدوّي، لا أن يبكي، أن يُقاتل، لا أن يفرّ أن يُبعث، لا يُدفن.

سيكبرُ سراجُك، ولو اعتقدوا أنهم أطفأوه، وسيشتدّ ساعدك، ولو رمَوكَ جُذاذةً على قارعةِ المأساة، وستعود .. بكفٍّ من نور، وبقلبٍ من صخر، وبعزمٍ لا يُفلُّ؛ لتحرس الزيتون، وتكتب فلسطين على سبابتك، وتبصق في وجهِ الزمن الخائن.



# عهود _ محمد.

# فريق _ النخبة.

# مبادرة_ النسيم.

تعليقات