|| ألا ليت الراء يسقط في الحرب؛ ليعم الأمن والأمان ||

 

دويّ الصواريخ يأخذ الفؤاد، ويجعله ضائع وسط صحراء 

صفير الرياح تصدع بالمكان، وخيام تتمايل تُسمع رفرفتها، وهدوء ثقيل ما قبل العاصفة، البلدة غدت كحلبة خالية من مواطنيها، والمعسكر مرعب، ممتلئ بالجنود، أما غرفتي، نعم... غرفتي خالية من الآخرين، أقف عند طاولة تحمل كُتُبي، وإلى جانبها طابعة قديمة، غزتها شباك العناكب، وفي زاويتها شمعة بالكاد تضيء سطح المنضدة، أكتب رسالة لا أعلم إن كانت ستصل إلى أهلي، أم ستُمزق عند الحدود.

محتوى الرسالة:

مرحبًا والداي الغاليان، وإخوتي ... هل أنتم بخير؟

هل ازداد تدمير مديتنا؟ 

وهل استطعتم الهرب؟

أنا بخير، أو لعلني سأكون بخير بعد الانتصار.

أمي: لا تقرأي هذه الرسالة فتدمعي بغزارة، بل اكتبي لي ردًا يردُ الخسارة، وإلى حبيبتي، وصديقتي: أختي الحنونة... أنا بخير صحيح أنني أنام على صخرة بدل الوسادة، وأن الأمان فارقني منذ بداية هذه الرحلة -أسميتها رحلة لأخفف من شناعتها- المكان لا يشبه عطفكِ، وأن الطعام ليس كحنان أمي، وقائدي أقسى من مواعض أبي؛ لكنني ما زلتُ أتفاءل؛ رغم أن الأمل انقضَ العهد منذ اندلاع الحرب.

ثم أرسلت الرسالة مع ساعي البريد، ورجوت أن يقرب لي البعيد، ويعيد لي أهلي، سندًا وعضيد، عُدتُ بعدها إلى ساحة الحرب، أخذتني الساعات حتى صارت أيامًا، والأيام شهورًا، والشهور سنوات، وفي أحد الأيام، وصلت رسالة ظننتها تحمل الأمنيات، خطفْتُها من يد الرجل، وركضتُ إلى أقرب كهف؛ لأقرأها بلهفة مغترب.

محتوى الرسالة:

بُني: هربنا من مدينتنا التي بنينا فيها أحلامنا، وسكنت فيها أرواحنا، غنّينا على مدامع الحزن بصبر يقوينا، وبكينا على ماضٍ لم يعد يجمعنا، بُني: لا تبكِ... لقد دمّرت الحرب كل ما فينا، أخذت منّا أختك، وهي غالية علينا، ونحن ما زلنا نهرب خوف من أن يباغتنا صاروخ يأذينا، وأنت مجاهد، لا نعلم أين أنت، ولا من أين تكتب لنا؛ ولكن يا ولدي... لم يتبقّ أحدٌ منّا، انهمرت الدموع تجري وتضع أثر النحيب، ومشاهد الماضي أتت تحتويني وكأنها تزيد حنيني، تكورت على نفسي، حاضنًا مأساتي، وجراح آهاتي ماذا فعلت الحرب بنا؟ من لنا غير الله يحمينا؟

لماذا يتصدّون للأبرياء؟

 بالضعفاء يتألموننا؟

لا أدري... أأكتب؟ أم أواصل القتال مع رفاقي؟ أم أترك سلاحي للموت آتي؟

كم أن الحروب تُفرق القلوب، وتطعن الأحباب، وتُشتّت الأصحاب، وتقتل أطفالًا لا يعرفون من الحياة شيئًا، كم من مشاهد مماثلة تعيشها غزة، وغيرها من البلاد التي تلتهب بنيران الحرب، كم مرةً يذوقون الفراق؟ 

في كل نفسٍ يغادر البيت، وكأن قلوبهم تُنتزع من مكانها!



#منى_علي.

#فريق_النخبة.

#مبادرة_النسيم.

تعليقات