أنا مِن سَيَرحلُ يا عزيزي، لتبقى أنت هُنا، لِتبقى مكاني لايَصحُ رَحيلنا معًا، لن أسمحُ لكَ أن تُرافِقني في رِحلتي الأبديةَ الخَالِدة، التي لَن أعودُ منها.
هَذِهِ المرةَ لَنّ أسمحَ لكَ أن تُرافِقني إطلاقًا، لَن أسمع كَلامك كَما كُنت أفعل.
عَزيّزي سَأرحل وأنت مِن سَيبقى، لايَجوز لِكُلينا أن يرحل.
سَتقول لَن يَكون هُنَاكَ طَعَمًا للعَيّش بِدونكِ، أودُّ الرَحيّل مَعكِ إلى حيثما تَرحليّن.
أعلمُ ذَلكَ ياعزيزي، ولكن أريدُ لَكَ البَقَاء.
دَعَني اسألكَ هُنا ياعزيزي
لَو رَحَلنا معًا مِن الَّذي سَيعتني بأزهَارنا الرونقية؟
مِن الَّذي سَيَهتمُ بِورودنَا النَرجِسية؟
من الَّذي سَيزوّرُ حَديقَتنا المُفضلة كُلَّ يوم، عِندَ شُروقَ الشَّمس وَ غُروبها؟
تِلكَ القِطط التي تَنتظرنا عِند باب الحَديقة، بِربكَ من سَيطعمُها؟
الكِلابُ التي نُصادِفها في الشَّارِع، من الَّذي سَيمنحها الطعام؟
تلك العَصافيرُ الجميلةَ التي اتخذنا مِن زَقزقتها رفقةً صاحبتنا نستمتعُ بها، بِربكَ من سَيهتمُ فيها؟
فراشاتُ بستاننا الوردي، من سَيُحلقُ مَعها مُرفرفًا في سماءُ السعادة؟
لَو رحلنا معًا ياعزيّزي من سَيتمعنُ في الشَّمس عِند غُروبها؟
من الَّذي سَيرتشفُ من فنجان القهوةَ الخاصُ بنا؟
من الَّذي سيتلو القرآن الكَريم بصوتًا خاشِعًا تتشنفُ لهُ المَسامع؟
من الَّذي سَيقرأ بعد رحيلنا كِتَابَ أدهم الشرقاوي؟
من الَّذي سَيقرأُ نصوص دوستويفكي التي كنا نقرأها معًا؟
بربكَ قصائدُ قيسُ وليلى، التي كُنت تقرأ لي مِنها، مِن الَّذي سيقرأها؟
لا لَن أسمحَ لكَ بالرحيل؛ لأنني أريدُ أن تروي قَبَري كُلَّ يوم، أريدك أن تدعو ليَّ كثيرًا، أن تقرأ سُورةَ الملك ليَّ كُلِّ ليلة.
أبقى ياعزيزي؛ لِتروي رُوحي من حُبَّك العظيم بعد رحيلي.
لا أريدُ أن نصنعُ رِحلتنا معًا، لا أريد أن تترك ما تركتهُ ناقِصًا، أكمل ذلكَ النُقص ثم اتبعني، لابأسُ فيما بَعد ذلك.
أبقى حَيث كنا، لا تبرح مكاننا المُفَضل، أفَعَل ما كُنا نفعلهُ، وما أعتدنا أن نقومَ بهِ.
عَليك أن تَذَهب كُلَّ يوم تزور حَديقتنا، أسقي زهراتنا الوردية.
أروي عطش ورداتنا البنفسجية؛ حتى لا يذبلنّ بعد رحيلي.
أطعم قِططنا الجميلة، بما فيهنّ قطتي المُفضلة، ذات اللون الأبيض الناصع، من تحمل عينان جميلتان تسرُ الناظر لها.
عَليك أن تضع الطَعام لِتلكَ الكِلاب الجَائعة.
عليكَ قُبيلَ غُروب الشَّمس، عندما يبدأُ الشفق يلون السّماء بألوانهِ المُختلفة، وَ كَما كنا نفعلُ؛ أن تَجَلس على كُرسينا الذَهبي، ضع في يدكَ اليُمنى كوبًا من فنجانَ القهوةَ الدافئة، وفي يدَكَ الأخرى كتابًا تقرأُ فيه، ولكن هَذِهِ المَرةَ لا تأخذ كتابًا لولئك الكَاتبون العظماء، هَذِهِ المَرة أريدكَ أن تَصطحب كتابًا من نصوصي أنا، نعم من كتاباتي ياعزيزي، تلك النصوص التي كنت أبوح بها إليكَ.
إنها هناكَ في إحدى رُفوف غرفتي، سَتجد كِتابي يتوسط تِلك الكُتب الكثيرة، إنه ذو لونًا أبيضًا كبياض قلبكَ النقي، عِنوانهُ "إليكَ ياصَاحِب السينَ البَعيد" أقرأ مابداخلهِ من حُبًا، وعشقًا، وهيامًا، وغرامًا، وشغفًا، وعتابًا، أقرأ ما يحتويهُ مِن نصوص مليئة بذلك العشقُ الكَبير لقلبكَ.
عزيزي أبقى هنا، وأمكث هناكَ حيث أشيائنا الجميلة، أشيائنا المشتركة. أبقى و سأكون كَظِلك الدائم، سَتجدني دومًا حَيثما اتجهت، سَتجدني فوحًا بين روائح الزهور، وعبيرًا بين فوحَ الورود، سَأسطعُ على حَياتك بين أشعة الشّمس الذهبية، سأنير ليلكَ الحالِك مع ذلك القمر المنير، سأزهرُ حياتك سعادةً كتلك الزهرات النرجسية، سَتجدني الّمعُ مع النجوم الزاهية.
لا تخف ياعزيزي من عتمات اليالي، خذ أمتعتك وأمكث على سَطح منزلنا، سَأناجيك من بين تِلكَ النجوم، سَأكون بجانب تلك النجمة الزاهية، التي ترافق القَمر، هُناك سَترى عَزيّزتك.
إذن لا تَقَلق وأبقىٰ ياعزيزي، وأتركني أرحلُ بِسلام
# گ/ عائشة_عكام
# فريق _جنين
#مبادرة _النسيم