لَاأَدْرِي بِمَاذَا أَبْدَأُ، وبِأَيِّ شُعُورٍ أَتَحَدَّثُ، هَلْ أَخُوضُ فِي عَالَمِ السَّعَادَةِ، أَمْ أَبْحَرُ فِي قَاعِ الْحُزْنِ؟.
بَعْدَمَا قَضَيْتُ فِي الْغُرْبَةِ تِسْعَ سَنَوَاتٍ بِسَبَبِ الْحَرْبِ، الْآنَ وَلِلَّهِ الْفَضْلُ وَالْمِنَّةُ تَنَفَّسْنَا الْحُرِّيَّةَ، فَهَا نَحْنُ نُوَدِّعُ أَرْضَ الْغُرْبَةِ، تَارِكِينَ وَرَاءَنَا ذِكْرَيَاتِنَا، مِنْهَا الْقَاسِيَةُ، وَ مِنْهَا الَّتِي مَرَّتْ كَنَسِيمٍ لَطِيفٍ يُبْهِجُنَا، بَلْ وَيُعِيدُ لَنَا الْأَوْقَاتَ السَّعِيدَةَ الَّتِي عَشْنَاهَا مَعَ الْأَصْدِقَاءِ الَّذِينَ أَصْبَحُوا بَلْسَمًا لَنَا، يُعِيدُ لَنَا كُلَّ يَوْمٍ جَمِيلٍ مَرَّ.
وَلَكن بَعْدَ لَحَظَاتٍ قَلِيلَةٍ مِنَ الِانْغِمَاسِ فِي الذِّكْرَيَاتِ، تَنْهَمِرُ الدُّمُوعُ بِغَزَارَةٍ، نَشْعُرُ بِلَوْعَةٍ قَتَّالَةٍ، إِنَّهَا لَوْعَةُ الْوَدَاعِ، لَوْعَةُ الْفَقْدِ، فَقْدٌ لِلْأَمَاكِنِ، وَفَقْدٌ لِلْأَشْخَاصِ، وَفَقْدٌ لِلْمَدَارِسِ، حَتَّى فَقْدٌ لِلطُّرُقَاتِ، الطُّرُقَاتِ الَّتِي اعْتَدْنَا السَّيْرَ بِهَا. لَوْعَةٌ لِأُنَاسٍ اعْتَدْنَا عَلَى أَنْ نَرَى ثَغْرَهُمُ الْبَاسِمَ، نَسْرَحُ فِي خَيَالَاتِنَا كَيْفَ سَنَعِيشُ دُونَهُمْ، دُونَ أَنْ نَسْمَعَ صَوْتَ ضَحِكَاتِهِمْ. كَيْفَ سَيَكُونُ وَطَنِي؟ هَلْ وَطَنِي يَحْتَوي مِثْلَ هَؤُلَاءِ النَّاسِ الرَّائِعِينَ؟ كَيْفَ سَأَجِدُ مِثْلَهُمْ؟ وَكَيْفَ وَكَيْفَ وَسَبْعُونَ كَيْفَ، مِنْهَا نَجِدُ لَهَا جَوَابًا، وَأُخْرَى تُجِيبُنَا الدُّمُوعُ وَغُصَّةٌ الْقَلْبِ.
آلَافٌ مِنَ التَّسَاؤُلَاتِ وَالْمَشَاعِرِ، فَأَنَا الْآنَ لَا أَشْعُرُ بِشُعُورٍ يُوصَفُ، إِنَّهُ شُعُورٌ غَرِيبٌ، شُعُورٌ مُضْطَرِبٌ، فَهُوَ فَرَحٌ لِلْعَوْدَةِ إِلَى وَطَنِي، وَحُزْنٌ لِفِرَاقِ هَذِهِ الْأَرْضِ، هَكَذَا، بُكَاءٌ وَضَحَكَاتٌ، هُدُوءٌ وَصُرَخَاتٌ، قَلَقٌ وَطَمَأْنِينَاتٌ، رُكُودٌ وَحَمَاسَاتٌ.
يَا إِلَهِي! كُلُّ هَذِهِ الْمَشَاعِرِ لَا يَتَحَمَّلُهَا قَلْبِي فِي آنٍ وَاحِدٍ.
أَرْجُوكُمْ، أَخْبِرُونِي، كَيْفَ يَتْرُكُ الْإِنْسَانُ غُرْبَتَهُ بَعْدَ أَنْ أَصْبَحَتْ وَطَنًا؟!
وَكَيْفَ يَترُكُ أَصْدِقَاءَهُ بَعدَ أنْ أَصْبَحُوا أَهلَاً؟!
أَرْجُوكُمُ جَاوِبونِي، فَقَدْ بَلَغَ بِيَ الْحَالُ مَبْلَغًا لَا أُطِيقُ مَعَهُ الحَياة!
#مُنى_ كيكار
#فريق_ شام
#مبادرة _النسيم