|| بعد ضوضاءٍ أصبحت مدينتنا سوداء ||


تجولت بين تلك الأرصفة التي حملت أقدامنا الصغيرة، نظرت إلى مقهى المدينة، الذي حمل مشاعرنا الثمينة، ندعي الكِبرَ وأيادينا صغيرة، سارت قدمي قسرًا، إلى زاوية كنا كالقطط نختبئُ فيها، أشرق فمي يعلو بابتسامة، وتقوس ثغري بعدها، ضغطُّ على فكي؛ لأمنع غُصة تتجول في حنجرتي، مضيت... مضيت مبتعدًا أهرب من أركان الطفولة؛ لأتوقف أمام كشك التصوير، الذي شهد على مراحل براءتنا إلى تفتح عقولنا، أخذت كُرة؛ لأعيد تأرجح الأيام التي انزلقت منا؛ لكن من يعيد لي سعادتي آنذاك؟ من يتبرع لي بشغف لا يفكر سوى باللحظات؟ ابتعدت كسرًا هذه المَرة، لا هروبًا... تأملت السيارات أصوات بوقها كمنبهٍ يذكرني بأول سيارة ملكتها، بأول صديقٍ تعرّفت عليه، أول فرحة حصلت عليها، كل ما هو أول مرة لديه إحساسه الخاص، نظرت إلى القبة الزرقاء أثلجت عيناي قبل السماء.


فكرت أن أعود إلى المنزل، أوقفت أحد السيارات، كفاني عزاء اليوم، وبينما العقل يرسم المشاهد وكأنهم أمامي، توقفت السيارة بقوة كدت أصفع وجهي بالكرسي، نظرت من النافذة... خرجت عن كوني في المركبة، أصوات الآخرين كهمسٍ مشوّش على راديو قديم، عيناي تنظر؛ لكن بصيرتها في موقف آخر، عقلي كشريط يكرر عدة كلمات بنبرات تقتلع الصخر من الجبل، كأني بداخل بالونة مغطاة بضبابٍ يشبه الهلام.


«_قبل سنوات_»

قهقهات الاطفال، صوت دراجات هوائية، غيوم يأسرن الروح، رذاذ من المطر ينقش ذكرياتنا على الأرض.

رنّ صوته بضحكة تلحن البراءة، وتقوست عيناه كالهلال قائلًا: هههه سأذهب إلى المحل الآخر، أنا أسرع منكما

ولم يكمل جملته إلا وجسده يعلو، وكأن السماء مغناطيس، وروحه تننزع فور تحليقه، وارتطم بأحضان الأرض القاسية، وسط دموع ليلى، وصدمات الآخرين، عمّ صمتٌ يشبه صمت المقابر.


أنزلت ستار جفوني على مقلتاي؛ لأصحو من نومي... فتحتها ولم يسعها المشهد أغلقتها مجددًا؛ لكن هذه المرة فاضت تنهش وجنتي.


لم أشعر إلا وأنا أمام المتجر، ألم أكن في العربة! أين الآخرين كيف وصلت؟ هل السائق دهس احدهم؟ ما هذا؟ لِمَ أنا في الشارع؟

نظرت إلى البعيد... رؤيتي مشوشة، جاءت تركض من بعيد وترتدي معطف أبيض، وكأنها تعرفني من هذه؟

وبصوت يلتقط الأنفاس: كيف خرجت؟ لقد بحثنا عليك أين كنت؟

لم يخرج سوى استفسار واحد: من أنتِ؟

أمسكت ذراعي وقالت بعين تخفي سيناريو يريد أن يتحرر بالدموع: دعنا نذهب.

ثم جرّتني إلى العربة، وكأني أعرف هؤلاء؛ لكن من؟

وبعد لحظات، نظرت إلى الاعلى: مشفى للأمراض النفسية.

الطبيبة: أنت لم تتناول أدويتك هيا دعنا ندخل.

هواءٌ معبأ بالتعب، عيون شاردة بين حائط وكرسي، رائحة أدوات طبية لكنها غير مريحة، زنزانة بيضاء... يقال عليها غرفة، أنا صحيح كيف يدخلونني هنا؟ 

نظرت إليها وقلت: من أنا؟

وبنبرة بالكاد يخرج صوتها: أنا ليلى، كانت أحلامنا معًا؛ لكن الحياة لا تكتمل لأحد، تأملنا بأن نكن أطباء، نساعد لا أن يساعد علينا، أن نركض لا أن يركضوا بنا.

وبسطت يداها وكأنها تشير إليهم واردفت: في كل نظرة صندوق يقف أمامهم، وفي كل بسمة خيط نحو الجنون، وفي كل دمعة حكاية من خنجر، وليس المجانين من يذهبون إلى هنا، إنما الاصحاء، أنت لم تقتل؛ لكنك قتلت نفسك.

 يكفي لوم منذ سنوات، يكفي جلد، منذ ذلك المشهد وأنت تكرر تاريخ محدد، وتمتمات لا تفهم لأحدٍ سواي؛ لأني أعلم ما جرى، وعبارة لم تخرج من ذاكرتي حين تقول: «لقد قتلته بيدي، أخذتُ روحه»

حرر عيناك؛ ليتحرر عقلك، احضن قلبك؛ لينمو جسدك، انت بريء وذلك قدره.


#منى_علي

#فريق_النخبة

#مبادرة_النسيم

تعليقات