|| الرابع من أغسطس ||


جئتُ أكتبُكَ من شظايا الحرف،

لا حاجة لك أن تُصغي،

فكلّ ما أكتبه… ينتمي إليّ فقط.

هي كلمات تسقطُ من أصابعي إليك،

لكنها لا تلتصقُ بك،

بل تُقيمُ فيَّ... وتُنزفني.


أرفع القلم،

فيسحبني كقوةٍ غامضةٍ إلى عمقٍ لا يُرى،

يسألني:

أين انتهت أقدامنا؟

ولماذا أنا وحدي ما زلتُ أحملك

في جوفي كسرٍّ أبدي؟

لماذا رُسل النسيان ألقوا عليك السلام،

وأنا لم أكن زائرًا عابرًا، ولا عابثًا بالمصادف؟

كنتَ إليّ نيةً، ووجهة.


الريحُ قالت،

وقلّ من صدّق الريح.

الطريق، الشارع، ظلّ الشجر،

جدار الجار، رائحة المكان،

الأزقة، الأزمنة، قوائم الغياب،

الأسماء التي لم يبقَ لها من الوجود

إلا أن تعرفك.

كلّها تحمل لوحًا باسمك وندبةً بإسمي.

أعرف ذلك، لأن الذاكرة لا تكذب،

وإن كذب الزمان.


اثنا عشر شهرًا على تلك النظرة...

التي انغرست كشوكة وردٍ في خاصرة الذاكرة،

اثنا عشر شهرًا، وعالمي المزدحم بك لا يُحصى،

قلبي مكتظّ بك، بصبابةٍ لا تُقاس،

بحبٍّ يفوق عمري المتساقط من تقويم الحياة.

تبقّى لي بضع شهور، وأبلغ الثانية والعشرين،

لكنك...

كنت دائمًا أكبر من العمر،

وأسبق من الزمن.

كنتَ وُدّي المخلوق

قبل أن تُخلق المواجيد.


سنةٌ واحدة يا فاتن الملامح،

أُصلّي فيها لوجهك

كما تُصلى النجاة في مآذن البرد،

وذكرى واحدة في التاريخ الرقمي،

ومليون عامٍ في ذاكرة القلب.

وكلٌّ يُصدّق ما تهواه نفسه،

وأنا ما زلتُ مع قلبي،

أصغي لحنينه كأنّه وحيٌ لا يُكذّب.


جاءت هذه الذكرى

في زمنٍ منهكٍ بالأزمات،

والنكبات التي انشقت فيها الأرضُ على الوطن،

وأنا، في كلّ هذا الرماد،

أحنّ إليك كنهرٍ ينبجس من جرفٍ سحيق،

وشوقي؟

دينٌ ثقيل في عنقك،

لا تُسدّده نبضة،

ولا تنقضه ذاكرة.


هل تصدّق؟

القلب ميزان الاقتصاد العاطفي،

وأنت فائض حسابي،

كلما حاولت تقسيمك بالمنطق

انهار رصيد صبري

كما تنهار احتياطات الدول

في زمن الحروب الكاذبة.


يا ذاكرة أغسطس...

ويا قدس عينيك،

ويا لقاءًا لم نُجهد له الخطى،

ولا خضنا فيه حربًا،

ولا شنّفناه بالبطولات،

كان سلامًا بلا رايات،

ووطنًا في ظلّ عينيك... وضاع.


يا ذاكرة الرابع من أغسطس،

يا تاريخًا لا يُنسى،

كأن الزمان توقّف عندك،

كأن القلوب عُلّقت على بابك،

كأن العيون بقيت تنتظر في ذلك اليوم

بعضًا من الرجوع،

وبعضًا من اللقاء.


في الرابع من أغسطس،

كتبتك للمرة الأولى،

وصليّت لكَ أول صلاة شوق،

وغرسْتُك في قلبي كمدينةٍ

محاصرةٍ بالحب،

ومذّاك…

لم أخرج من تحت الركام.


نصوصي تتعب،

ولا تصل إليك،

كما لم تصل دموعي في ليلتي تلك.

وأنا؟

كلما حاولت النسيان،

زادتني الذكرى تعلقًا،

حتى بات الرابع من أغسطس...

هو اليوم الذي لم يَمضِ أبدًا.


#عهود_محمد

#فريق_النخبة

#مبادرة_النسيم

تعليقات