|| في كل إناء دموع تختزل الدم ||


صوت من بعيد يشبه الرعد في ليلة ساكنة، ليس لدينا ليل بفضل الصواريخ التي تنهال علينا، قمرنا القذائف، ونجومها الرصاص.

حلَّ الصباح بعد انتظار أشبه بصبر سجين ينتظر براءته، توقفت بين حطام المنازل، وبين أصوات تقتلع الفؤاد، تدور عيني بحذر بين شوارع بلادي، تلك التي كان ماضيها أفضل من حاضرها، كل يوم أصحو على أحداث جديدة، وكأني داخل مسلسل درامي، أترقب دوري، أو إنهاء حياتي.

بين كمٍ هائل من الناس، ننتظر طعام يغذينا، فزادُنا هو الهم والقلق، وشبعنا هو حرقة تعلو إلى البلعوم، كأنّنا ابتلعنا كبريتًا مشتعلًا، وتلتهم معدتنا أحماضها، هذا أقل ما أرويه؛ لكن لابأس اعتدنا.

وبين طوابير من أعمار مختلفة، أمسك بيديّ الصغيرتين وعاء كبير لا أقوى على حمله؛ لكن هناك قوة مُدّت لي من حيث لا أدري، صُب لي الحساء، وأصبح حجمه يفوقني، هربت مبتعدة؛ لأنقذ بها إخوتي الصغار، وبينما أركض؛ لأصل بسرعة كنت أترنح والحساء يتمايل معي، يتسرب قليلًا؛ كأن الأرض تريد التهامه، فجأة تعثرت بحصًى صغيرة، وسقطتُ على وجهي، ويدي إلى الأمام، رأيت تدحرج الإناء على الارض، وانسكاب الحساء، يشبه تبعثر الزجاج، لم يكن سوى أملي الذي تناثر، تجمَّعتِ الدموع بعيني؛ كإنهيارٍ لما صمدت فيه لساعات، هل أعود الآن؟

 لكن؛ لن يعطوني، فقد أخذت نصيبي، لستُ في حفلة؛ فأنا في وسط الحرب.

بكيت بأعلى صوت؛ لكن من يجيب؟

 لست لوحدي، الكثير يبكي، جميع أصوات المشاعر نسمعها بيقضة حادة، تتردد في أرجاء المدينة، كل إحساسٍ طبيعي، أو مريب كأن غزة ممتلئة به، مثلما تملأُ كأسَ ماء من عدة ألوان زيتية، صرخت: من أين القاها؟

من وطن دس السم فيه؟ أم من شعوب متخاذلة عليه؟

انحنيت منهارة، بجسد نحيل لا يقوى على الحديث وبطني تغرغر جوعًا، وخوفي من صاروخ قد يباغتني يجعلني أسير منعطفة بخطوات واسعة، تارة انحني وأركض، وتارة انعطف متقيئة دم.

حتى لو تقيأتُ قيحًا، لما أومضت تلك الإنسانية المختبئة خلف ستار الكذب، نظرت إلى السماء وما زالت عيني تنهمر؛ وكأنها نهر أبى أن يتوقف قليلًا، وقلت: ما ترونه خلف الشاشات، مهما رأيتم من أهوال؛ فلن تكن أقل بشاعة من الواقع المرير.

غزة أشبه بحلبَة يُصارع فيها رجلٌ طفلًا، حرب غير سوية، وغير عادلة، والجماهير تتغافل عمدًا: من سيصمد؟

قد تبدوا القصة خيالية؛ لكن هذا ما يحصل في غزة، وأبنائها؛ بل ما عرضته أقل بكثيرٍ مما يحصل كواقع، فلطسين ميدان للصبر، قبل أن تكون ساحة للحرب.



#منى_علي

#فريق_النخبة

#مبادرة_النسيم

تعليقات