|| صرخةُ الجوعِ في أرضِ الأنبياءِ ||

 

في زوايا الأرضِ التي أُنهكتْ، حيثُ الحجرُ يبكي والترابُ يئنُّ، تتجلى مأساةٌ تُدمي القلبَ وتُخجلُ الإنسانيةَ. ليستْ قذائفُ الموتِ وحدها منْ تحصدُ الأرواحَ هناكَ، بلْ هوَ شبحُ الجوعِ الذي يتسللُ بصمتٍ، ينهشُ الأجسادَ الهزيلةَ، ويُطفئُ بريقَ العيونِ الغائرةِ.


تخيلْ طفلاً، كانتْ ضحكتُهُ يوماً تملأُ الفضاءَ، باتتْ عيناهُ تُحدِّقانِ في لا شيء، في فراغٍ يمتدُّ كالموتِ. أطرافُهُ الصغيرةُ باتتْ كأغصانِ الشجرِ اليابسةِ، وبطنُهُ المُنتفخُ يحكي قصةَ حرمانٍ لا تُصدَّقُ. أمهاتٌ يرتجفنَ، لا منْ بردٍ، بلْ منْ عجزٍ يُفتتُ الروحَ، أيديهنَّ تُلامسُ الفراغَ بحثاً عنْ لقمةٍ تُبقي نبضَ الحياةِ في فلذاتِ أكبادهنَّ.


في عالمٍ يفيضُ بالخيرِ، وتُلقى فيهِ الأطعمةُ في النفاياتِ، تُزهقُ الأرواحُ جوعاً في أرضٍ كانتْ يوماً مهدَ الحضاراتِ. الموتُ هنا ليسَ قذيفةً اخترقتْ صدرَها، ولا رصاصةً مزقتْ جسدَها، بلْ هوَ صمتُ الأمعاءِ الخاويةِ، هوَ الوهنُ الذي يتسللُ إلى كلِّ خليةٍ، هوَ الروحُ التي تُفارقُ الجسدَ ببطءٍ، ببطءٍ مؤلمٍ لا يُطاقُ.


طفلٌ ينامُ فلا يستيقظُ، شيخٌ يغفو فلا ينهضُ، امرأةٌ تنهارُ فلا تُقوى على الوقوفِ. ليستْ أرقاماً في نشرةِ أخبارٍ، بلْ هيَ أرواحٌ، قصصٌ، أحلامٌ، كانتْ تنتظرُ الحياةَ، فالتهمها الجوعُ.


هلْ يُدركُ العالمُ حجمَ هذهِ الفاجعةِ؟ هلْ تُلامسُ هذهِ الصورُ قلوبَهم التي اعتادتْ على المشاهدِ؟ أصواتُهم خافتةٌ، لكنَّ صمتَهم يصرخُ بأعلى صوتٍ: "أنقذونا منَ الجوعِ! أنقذوا ما تبقى منْ إنسانيتِكم!"


فلسطينُ اليومَ ليستْ مجردَ أرضٍ تُحتلُّ، بلْ هيَ روحٌ تُجاعُ، وطفولةٌ تُذبحُ بصمتٍ. فهلْ منْ مُغيثٍ لِأرضٍ باتتْ تُنازعُ الحياةَ على فتاتِ الخبزِ؟


#رغد_الصّالح

#فريق_الامازيغ

#مبادرة_النّسيم

تعليقات