قد يراودك فشلك عن نفسك، لكنك في نهاية المطاف ستغلبه لأن طموحك أقوى منه.
لكن...
عندما تراودك الظروف عن نفسك كما قيل، أو الأوضاع الصعبة، فلن يكون منك سوى السمع والطاعة.
ليس لأنك استسلمت، ولكن لأن الظروف فعلًا أقوى من أي شغف وطموح، والكفة لا محالة للظروف القاهرة.
كونك يمنيًّا، هذا يعني أنه يجب عليك ألّا تقاوم، لأنه مهما قاومت فلن ترى سوى ما تحكمه الظروف.
...
النشاط يحيطني من كل جانب، أنهض مسرعة وكأن هناك من سيعاقبني إن تأخرت.
اتصلت بصديقاتي، وكلهن كانت إجابتهن عليّ قاسية لأني أيقظتهن من النوم، لكني لم أُبالِ وعدتُ لهن الاتصال أكثر من مرة.
لا تستغربوا لمَ اتصلت عليهن، فاليوم موعد صدور نتائج الثانوية العامة، وأنا أنتظر بفارغ الصبر كيف سيكون حصادي الذي أرهقت نفسي في زراعته.
لا أعلم من أين لصديقاتي كل هذا البرود، بينما أنا أحترق وقلبي يغتلي.
سئمت منهن، وفتحت موقع الوزارة لأرى موعد الإصدار، وكان التوتر يأخذ من عافيتي قطعة قطعة.
وأخيرًا...
وصلت رسالة من موقع الوزارة بأنه الآن يمكنني الحصول على نتائج الثانوية.
لم أستطع التحكم بدموعي، فقد كانت تنهمر، ويداي ترتجفان، أخذت أصرخ وأنادي عائلتي.
بعد أن تجمعنا لأرى كم معدلي، سمعت المتكلم وهو يردد رقم جلوسي، وأنا أريد أن أدخل لأحطم أسنانه، لِمَ لا يستعجل؟
الصدمة...
معدلك هو .......
فقدت وعيي بعد صرخة هزت المكان، أخرجت معها ألم كل خطوة، وكل ورقة، ألم كل وقت أمضيته في المذاكرة.
لم أصحُ إلا على رشات الماء من عائلتي، وأمي تواسيني في ألم، والجميع مصعوق من تلك الدرجة.
لم يتوقع أحد أن أحصل على هذا المعدل الذي لا يناسب جهدي وقدراتي.
بقيت ساعات وأنا في بكاء، كل ما حولي يدعوني إلى البكاء، حتى السحب المتراكمة، والشمس التي تحزم أمتعتها لتغادر اليوم في صمت.
وبكيت حتى التهبت عيناي، الجميع يواسي، لكن لا أحد يعلم بمشقة الطريق.
لكنني أتخطى ولا أنسى.
توقفت عن البكاء، وعندما أقول توقفت عن البكاء، فهذا يعني أني لم أعد أذرف الدموع من عينيّ، بل أني أذرفها من قلبي.
أخذت كوبًا من القهوة، كما عهدت في تشتت بالي أن أفعل.
عقلي لا يستوعب، وفي كل برهة يعود لي مؤنبًا، وقلبي بات منكسِرًا.
كل شيء يخبرني أن أغادر قلبي وعقلي، أن أغادر كلام من حولي، وأسكن في طيات أفكاري التي لا تهدأ.
استعددت للفرح بنتيجتي، فهي ليست سيئة، وكل التخصصات الجامعية ستقبل بها، أقنعت نفسي أو بالأصح أوهمتها كي لا أتأذى.
ذهبت لشراء الألعاب النارية كما وعدت نفسي، وما أن حل الليل حتى أشعلتها كما يشتعل قلبي تمامًا.
أغادر الأشياء، لكنها لا تغادرني، تبقى تراودني كل حين، تفتح جرحًا بتّ أخفيه، تربط ما حولي بها، فأتذكرها في كل وجه شخص، في نظرته أو حركته أو حتى إيماءاته.
أتعلمون ما هو أقسى من هذا؟ خيبة أبي.
نعم، خيبة أبي، لقد رأى فيّ معالم الوصول منذ البداية، علّق آماله في معدلي الذي سيفخر به.
لقد أوجعتني كلماته التي تواسي، فنبرته توحي بألم في قلبه، وكل حرف تخبرني نبرته أنه كان يحمل خيبة، حاول تهدئتي لكنه لم يهدأ.
مر ذلك اليوم المشؤوم، أو اليوم الذي ستبدأ من بعده حياة جديدة تحمل في طياتها خيبات لا تنتهي، أسدل الليل عباءته لنخفي خلفها ألمًا لا يعرفه الآخرون.
كان لدي حلم، لكن يبدو أني سأنساه.
ولكن هل ينسى أحدكم حلمه!
هل ستنسى ما بذلت أيامك وأفراحك وصحتك فداه!
بالطبع ستجيب: لا.
لكنني، ولأنني أنا، سأنساه.
ليس لأني وجدت غيره، أو أني استسلمت، بل بسبب الظروف كما قيل.
منذ زمن طويل، تركت على أحد الأوراق توقيعًا يحمل اسم "الدكتورة أشجان"، أتعلمون ما صنعت بتلك الورقة؟
نظرت إليها وعيناي تمتلئان خذلانًا، لأني خذلت أشجان التي تطمح وتسعى نحو حلمها.
الجميع يرى أني لن أصل منذ أن بدأت في حلمي، لكني لست من يرضى بما يقوله الآخرون، ولكن يبدو أنني لن أصل حقًا.
أتعلمون ماذا كتبت في خانة أهدافي؟
كتبت أنني سأبذل قصارى جهدي لأكون "الدكتورة أشجان"، ولكن الآن يجب عليّ خدش ذاك الهدف، فأنا في موقع جغرافي يرفض الأحلام.
كل هذا فقط لأني حلمت.
فترفضني الأحلام يومًا بعد يوم، وكأني لا أقوى بها.
تبعد عني، وكأني لم أسعَ نحوها يومًا.
تغادرني، رغم أني لم أحلم بالمستحيل.
لم أكتب في نهاية سطوري أنني نلت ما تمنيت، ولم تبرق عيناي من فرط الانتصار، لكنني كتبت في نهاية سطوري أنني لم أخلق للهزيمة.
إني أعاهد نفسي أن أجعل من كل سنيني سنة النهوض، لا سهل، لا راحة، لا مستحيل.
بسم رب العودات نبدأ.
#أشجان_علي
#فريق_نون
#مبادرة_النسيم