|| متاهةُ الهواجس ||

 


جالسٌ في غرفتي المظلمة، لم أكن محاطًا بالإضاءة والنّور بل العكس، محاطًا بهواجسي الّتي تطاردني كشبحٍ مجنون يتسللُ خلسةً إلىٰ عقلي ليبدأ بدسّ سمّه في أفكاري

رفعتُ ناظريّ للساعة لعلي أجدُ وقت النومَ قد حان، ولكنها السّاعةُ الرابعةَ عصرًا، أوه حانَ وقت جلستي الرّابعةِ مع المرشد 

تنهدتُ، ثمّ نهضتُ بثقلٍ أتمايلُ يمينًا وشمالًا كمدمنِ خمرٍ أفرطَ في سكرهِ.

ارتديتُ ثيابي، وضعتُ قبعتي بثباتٍ، وكأننّي أحاولَ منعَ الهواجس من اختراقها لأفكاري

غادرتُ المنزلَ بخطواتي المتثاقلةِ كالعادة، أسيرُ في الطريق كمن يسيرُ في طريقهِ لإعدامهِ

أوه وأخيرًا لقد وصلت، دخلتُ للغرفةِ، جلستُ في مكاني المعتاد، 

 أصبحتُ أعرفُ مكاني جيدًا حفظتهُ وكأنّني أحفظ اسمي، لم تعد الجدران تخيفني بمنظرها المرعب، بل أصبحَت مألوفةٌ حدَّ المللِ

بدأت الجلسةُ كالعادة بسؤال الطّبيب 

كيفَ كان حالكَ منذُ آخر جلسةٍ لنا معًا؟!

تنهدتُ قليلاً ثمّ أجبتُ مختصرًا كلّ ما مررتُ بهِ بقولي: كانت الأيامُ مثلَ قبلها لم يتغير شيء سوىٰ أنّ الهواجسَ السّامّةَ تزدادُ تغلغلاً في عقلي، محكمةً عليّ في سمّها.

تنهدَ الطّبيب ورفعَ عيناهُ إلى عينايّ وسألَ بصوتٍ يتغنىٰ فيهِ الملل

هل تعتقد أنّ هذه الهواجس ستحتلُ عقلك وتقودُ بكَ للجنون؟!

رفعتُ ناظريّ إليه بصعوبةٍ وأنا أتصببُ عرقًا رغم أنّنا في شتاءٍ قارسٍ

أجبتُ بصوتٍ مرتجف

في كلّ مرّةٍ تتزايدُ فيها الهواجسُ أشعرُ بأنّني أفقدُ نفسي وليسَ ذرةً من عقلي فقط.

ثمّ سألتهُ بسؤالٍ أعلمُ إجابتهُ ولكن أقول لعلَ الإجابةَ تتغير

هل سأفقدُ السّيطرةَ تمامًا على عقلي؟!

هل ستتولىٰ الهواجسُ إدارةَ الأفكارِ في رأسي؟!

ردَ الطّبيبُ بصوتٍ بلغَ فيهِ اليأسُ منتهاه، لا أريدُ اخافتكَ ولكن أشعرُ بأنّ الأمل بالتعافي ضئيلٌ للغاية 

شعرتُ بأنّ كلماته تحملُ عبء مشاعري.

وقفتُ وأنا أشعرُ بأنّ بردَ الشّتاء كلّه في عظامي

غادرتُ الغرفةَ مع هواجسي المتزايدة وخيبتي.


#تسنيم_بولاد

#فريق_الضَاد

#مباردة_النَّسيم

تعليقات