اليوم قررت أن أحدثكم باللغة التي تستوعبون بها المعاني، أتنقّل بكم عبر أثير الشعور وأترك لكم المجال لعيشه، وأرسل لكم مشاهد متفرقة لتكتمل عندكم القصة.
أنا عدسة الكاميرا، هيا معي، سأريكم بعض الصور الحيّة التي تقع عليها عدستي.
سأدور في الأروقة، وعلى الطرقات، لأشهد ما تعجز الحروف عن وصفه، ويعي عقل عن تقبّله.
ها أنذا بين المنازل الجاثمة على صفيح الدمار، ورائحة البارود تنشر سمومها كنذير بأوجاع قادمة.
دخان، ودوي! إنه ليس احتفالًا، ولا ليلة عيد، إنها أيادٍ شيطانية امتدت بالشر؛ فأحالت الأرض قطعة من جحيم.
سأقترب أكثر لنرى لقطات مقربة لمشاهد الحتوف التي فاضت بها طائرات وحشية، لا تفقه سوف لغة النار.
انظروا! يا إلهي! إنه رأس طفل! وهذه الدماء تغرق مهده الصغير!
هناك مجموعة من الرجال يبدو أن الصدمة قد أذهبت مداركهم، يفتشون عن جسده المفقود.
الأب يبحث بين الركام، وكذلك الأعمام.
يجلس الأب منكسرًا بعد عناء البحث الطويل، نهشت مخالب اليأس آماله، وداست أقدام القنوط أحلامه.
يأتيه أخوه يحمل كيسًا فيهم قطع لحم.
يصرخ الأب المكلوم: هل هذا وقت العشاء؟
يطرق الأخ رأسه بحزن الكون أجمع: هذا كل ما تبقّى من جسد ابنك.
تتسع عينا الأب مصدومًا كأنما جمدت الدماء في أوداجه، وحُشرت الأنفاس في جوفه، كمن يلفظ روحه.
والآن سأترك لكم أن تعيشوا ما وراء الشعور، لأن قلبي الآلي لم يذقه قط.
الآن تدور عدستي في مكان آخر، انظروا… إنها امرأة، ما بالها؟
عيناها متعلقتان في فراغ أبدي، كأن مصيبتها أفرغتها من كل شعور، ودمعها يقف بين الأهداب كأنه إعلان تمرد عن واقع لا يُحتمل. تجثو على قلبها، والحزن لا تصفه آلاف اللغات!
ما هذا؟ كأنها جنازات… نعم، زوجها وأبناؤها السبعة، كانوا خمسة أولاد وابنتان.
يا الله! الأب بلا رأس، ومكانه كفّه المبتور بسبابته التي تشير بالتوحيد.
أظن أن هذا يكفي، لم أعد أطيق. سأنتهي مع هذا المهم لتكملوا تفاصيل مؤلمة من حرقة الأحاسيس ولهيب المشاعر.
ما هذا؟ أين أنا؟
ألقي نظري هنا وهناك فلا أرى سوى مدينة سُويت بالأرض كما سُويت الأحلام بالخيبة.
تحت حطام كل منزل تقبع الأجساد المغدورة،
تحت الأنقاض أمنيات تحتضر، ومستقبل مات قبل أن يولد.
هذه هي المأساة التي أُخرجت من سعير حرب لا تعرف الإنسانية.
#سمية_يحيى.
#فريق_ سما.
#مبادرة_النسيم.