《منافيِّ الحروفِ》


أيّا ليلًا يسدل أستارهُ على المدى، وأيّا صمتًا يُطيل الوقوف على أعتاب الحروف، أما تراني أتشظّى كلما أوصدتُ على ضوءِ القلب بابًا؟

الناس في غفواتِهم غارقون، وأنا أُبحر في لججِ كتبي، أفتش عن نصٍّ يُشبه سحاب خيالي.

أمضي بين أسطرٍ عتيقةٍ كأن مدادها نُقش على صفائح النُّحاس، أقفُ عند الفاصلة كما يقف المُجاهد عند متراس، وأتأمل النقطة كما يتأمل الثاكلُ قبر ولده.

والقمرُ آنذاك لا يُنور الدروب؛ بل يُنير مدينةً في دماغي، ملتفةً بالضّباب، عامرةً بالأسئلة، بالقصص، بالعزاء.

يا صاحِ، ما الكُتب إلا منازل أُخرى نلجأ إليها حين تُغلق دُروب الجسد، وما الحرفُ إلّا جوادٌ نمتطيه لنعبر إلى ما وراء الضوء.

كُل سِفرٍ فتحتهُ في سكون الليل، أيقظ في فؤادي مكنونًا كنتُ أحسبه في سُباتٍ سرمدي، وأعادني إلى ليلٍ لم يكن مظلمًا؛ بل مُوشى بأنفاسِ خيالاتي، وموقدًا بأنوار أفكاري.

تلك الكُتب كالأرواح الغريبة التي آوي إليها، أستظلّ بسقف حِكمتها، وأستدفئُ بنار كلماتِها.

أأخفي عنك؟ إن الليل لي ملاذٌ، لا لأن النهار خصيمٌ، بل لأني لا أُحسنُ العيش حين تحدُقُ فيِّ العيون.

في العتمةِ وحدها أُزهر بنصّ، وأتعافى بحِكمة، وأضحكُ لأن عبارةً ما أيقظت في ذاكرتي طفولتي المغدورة.

إني أقرأ لأتذكر من كُنت، ولألتقي بمن سأكون، فالكتابُ مرآةُ الغدِ ونافذة الأمس.

أيها القارئُ الساكنُ في أعماقي، أدرِك أن الحُلم لا يُرى دومًا في المنام؛ بل بين طيات السُّطور.

هُنالك، حيثُ الكلمة كالسّهم، والمعنى كالقوس، لا تُصيب إلا قلب من كان مستيقظًا، فابق يقظًا ففي الحرفِ مناماتٌ لا تُحكى، وحقائقُ لا تُرى إلا بعين الخيال.


`#أبرار_الدعوس`

`#فريق_الضاد`

`#مُبادرة_النسيم`

تعليقات