||حين بكينا في الركعةِ الأولى||



ربما عدتُ من الحرم، لكن قلبي لم يعد بعد.

جسدي فقط هو من عبر المسافات، أما روحي… فما زالت هناك، معلّقة عند أول ركعة.


كانت أمي تصف لي الأمر حين حدّثتني عن شعور الصلاة في الحرم، عن ذلك الخشوع الذي لا يُشبه أي خشوع، عن الدموع التي لا تحتاج إلى حزنٍ كي تنزل، وعن الدعاء الذي يرتفع خفيفًا، كأن بينه وبين السماء عهدًا قديمًا.


كنت أستمع إليها، وأنا أكتب دون أن أدري…

كأن الكلمات كانت تملي نفسها عليّ من شعور لم أعيشه بكلي،

لكني شعرت به في عمق قلبي.


كانت الساعة الرابعة فجرًا حين تقدّم ذلك القارئ الماهر فأمّنا في الصلاة، وفي الركعة الأولى، تلا بصوته المرتّل المليء بالطمأنينة: ﴿طه، مَآ أنزَلنَا علَيكَ القُرءَان لِتَشقَىٰٓ﴾


كأنّ الله يطمئننا نحن… قبل أن يطمئن قلب نبيه موسى عليه السلام.

سكن المكان، خشعت الأرواح، وانسكبت الدموع من أعينٍ لم تعتاد البكاء، كان الحرم في تلك اللحظة… قطعةٌ من السماء.


كان الصوت مغموسًا بالرحمة، كأنه يعتذر نيابة عن الحياة،

كأنه يحتضن كل قلبٍ أتى إلى الحرم مُثقلًا… ثَمَّ خفَّ حمله.


جلستُ أتأمل الآية، وتساءلت:

إذا كان هذا شعورنا عند سماع كلام الله وقد وُجّه لموسى،

فما بال شعور موسى نفسه، حين قال له رب العالمين:

﴿وأنا ٱختَرتُكَ فٱستمِع لِما يُوحىٰٓ﴾

وما حجم الأمان والاطمئنان الذي غمر قلبه، حين بُشّر بآية:

﴿قَد أُوتِيت سُؤلكَ يـٰمُوسىٰ﴾


أيّ يقينٍ ذلك الذي ينبت من رحم النداء الربّاني؟

وأي سكينة تسكن في الأرواحِ التي أيقنت أن الله يراها ويستجيب لها؟


يا الله…

كيف لصوتٍ من الأرض أن يحملنا هكذا نحو السماء؟

وكيف لآيةٍ أن تضمّ في معناها كل الطمأنينة التي خسرناها يومًا؟


ما زلتُ هنا، كأنني هناك معهم…

في تلك اللحظة، وذلك الصوت، وتلك الركعة، أفتّش عن نفسي التي بكت، ثمَّ سكنت، ثمَّ عادت تؤمن من جديد.


كانت لحظة من حديث أمي… لكنها غيّرت فيّ الكثير.



#عائِشَة_العبدالله

#فَريق_أطلانتس

#مُبادرة_النّسيم

تعليقات