أمةٌ ترتدي ثوب الخذلان، وتغوص في عمق الدُّجى، وتستمرئ الذل والوهن، لا تبكي إلا لمشهد درامي، ولا تستهويها إلا الملاعب والمعازف، تُبحر في بحرٍ من غياهِبِ الملذّات والشهوات، وتنسى أنَّ بعضَها يموت في الثانية ألفَ موتة، يموت من شدة الجوع قبل الخوف، يتسلل الخواء إلى جدران معدته، ويتمنى لو يستطيع إخماد صرير أمعائه.
أما رغيف الخبز فقد بات الأمنية الوحيدة التي يستحيل تحققها، وما هو إلا طيفٌ في سماء الخيال، يرجع بصَداه نحيبٌ وكمدٌ يذيب الجسد قبل الروح.
تلك مشاهد لم تكن تُعرف إلا في الدراما، أما اليوم فتعيشها أمٌّ ثكلى تحمل على ذراعيها فلذات كبدها، لا تجد ما تسدّ به رمق جوعها، ولا ما يُسكت صغارها، فتذهب بخاطرها المكسور، وقلبها المبتور، فلا تدري إلى أين تذهب: إلى إخوةٍ خانوها، أم إلى عدوٍّ يُطاردها؟
عن غزة أتحدث،
أتحدث عن أبٍ دفن ضناه، وعن طفلٍ بُتر أحد أجزائه، وطفلةٍ كانت تقف على منزلهم المدمَّر بقدمٍ واحدة، تحمل لعبتها المُبعثرة، وبعدما شاهدتْ بصمتٍ قالت بيأس: ليتني دُفنت معكم.
فسقط صاروخٌ آخر، فتحققت الأمنية.
أتحدث عن صحفيٍّ لا تأفل شمس عدسته عن نقل الخبر، جاعلًا من ميكروفونه أذنًا صاغية لأفواه الكلام، ومن كاميراته حضنًا دافئًا لتلك الأرواح المنكوبة.
حتى الأجنة لم تسلم، بل انتُشلت من أرحام أمهاتهم ليذيقوا مرارةَ بعضِ ما ذاقه آباؤهم.
أين النخوة؟ أين العروبة؟ أين الذين قالوا: "نحن نقف تضامنًا مع غزة"؟
أما آن لهم أن يستعيدوا حقوقهم التي اغتُصبت منهم؟ أما آن لهم أن يعيشوا بسلام؟
أخبروها بأن الكلمات تختنق في حناجر أقلامنا، وبأن الحبر ينزف كما ينزف جُرحها.
#ميمونة_سيد علي
#فريق_الأقصى
#مبادرة_النسيم