لا تسألوني!



أمسية ليست ككل المساءات، بل مساءٌ يتدلّى من سقف القلب كسكين مقلوبة، يُصفّق فيه الصمت على ضجيج الداخل، وتمضي فيه الأرواح كأنها تجرّ ظلالها المكسورة خلفها، لا تسألوني في أي بلد أُقيم، فأنا أُقيم في بلدٍ تتكاثر فيه الخيبات كالنفايات بلدٍ تُغتال فيه الأحلام عند أول أمنية، تسكنني فيه قسوة الطرقات، وجدران المنازل، ووجوه تمرّ ولا تُنقذك حين تغرق، أُقيم حيث البرد لا علاقة له بالطقس، وحيث الدفء لا يأتي من الأجساد، بل من كلمةٍ لم تُقل، وحضنٍ لم يأتِ، وظهرٍ لم يُسندني قط، لا تسألوني عن اسمي، فاسمي لا يُكتب في السجلات، اسمي وجعٌ يهمس: أنا ما تبقّى منكِ، اسمي ركام صوتٍ كُتم ألف مرة، اسمي الراء رغم كل شيء أواصل، الواو وجعي، لا يغفو ولا يرحل، الألف أعيش، لأن الحياة لا تُمهل، النون نزيفي الداخلي لا يراه أحد، لا تسألوني عن عمري، فأنا أبلغ الثانية والعشرين، لكنّي تجاوزت الخمسين من وجعٍ مزمن، أحمل في روحي تعب الذين لم يصرخوا، وتاريخًا من الصبر لا يُدرّس في الجامعات، أتقن الإنكار، أُجيد الصمت، وأخجل من البوح، فمنذ متى كان الانهيار مباحًا للناجيات؟ كبرتُ بلا دليل، تقدّمتُ بلا تصفيق، وأوجاعي عالقة كدبابيس في القلب لا تُرى، أمسيتُ وحيدة، لا لأن لا أحد حولي، بل لأن كل من حولي لا يرى ما أُخفي، أنا من تتوسد الجدران كل ليلة، وتُقنع وسادتها أنها بخير، كي لا تبللها، لا تسألوني عن أحوالي؟! فالأوجاع التي تعيش طويلًا، تتعلّم أن تبتسم للنجاة، حتى لو لم تعد تؤمن بها، أمسية فيها قلبي كمدينة مهجورة، فيها أنا، أُلملم أنقاضي وأربّت على كتفيّ لأكمل ما تبقى من هذه الحياة، دون انتظار، دون معجزة، فقط بقوة الذين لم يُنقَذوا، فأنقذوا أنفسهم.


#روان_السروري

#فريق_سما 

#مبادرة_النسيم

تعليقات