لقد كان واجبًا عليّ المغادرة. يجب أن أغيب، لكن هذه المرة غيابٌ أبدي.
سأنتشل ما تبقّى مني من جوف روحك، هذه المرة سأغادر ولكن، بعد أن أُحرقَ من ذاكرتك كلّ ما أهديتك إياه، ولو كلّفني ذلك عمري بأكمله، سأفعل!.
هذه المرة لن أدع لك حتى صورةً واحدة في ذهنك تستطيع اِحتضانها قبل منامك!، حتى عبق رائحتي أشعر أنه كثيرٌ عليك. أخبرتك مرارًا:
أنني حالما أذهب، لن أعود.
لم تكن تأبه حينها مطلقًا؛ كنتُ أسمع صدى قهقهاتك ساخرًا: أنتِ تعشقينني حدّ الهذيان لن تستطيعي النجاة!.
كتمتُ غيظي حينها، وقلت لك: إن جاء يومٌ وغادرتك دون حتى أن تسمع صافرة الإنذار، أرجوك لا تُفجع.
”فقال بكل ثقة: حسنًا يا جميلتي، لن أُفجع من الأساس؛ لأنه لم ولن يأتي ذلك اليوم.
وها قد أتى هذا اليوم!. نظرَ مليًّا إلى عيناي، تلك التي لطالما كنتَ تخبرني أنك تغرق فيها، دون معرفتك لسببٍ وجيه لهذا الغرق. العينان ذاتُهما، التي أقسمتَ مرارًا أنها ما إن تضيق عندما أضحك، حتى تشعر بضمةٍ يملأها حنانٌ مهول في قلبك. استمررتَ بالنظر طويلًا، كأنك تبحث عن نفسك فيها دون جدوى. بعد أن كانت وطنك وملجأك، أنت الآن منفيٌ منها، وقد أُهدر دمك فيها أيضًا. بدأتَ ترتجف حينها، وأنت تنادي: أرجوكِ..لا تنظري إليّ بهذا الشكل!. لكنها كانت نظراتي المعتادة، مع إختلافٍ بسيط: أنني لم أعد أراك فيها كل شيء كما السابق. لطالما أخبرتني أن نظراتي تُشعرك بالدفء،
لكنّك أخطأت حين أقسمت أنني مهما فعلت، لن أستطيع إعادتك لأول يومٍ إلتقينا فيه، على شاطئ البحر. كنتُ حينها فتاةً تلعب وتلهو، عاشقةً لنفسها فقط، يملأها من النرجسية ما يكفي—كما نعتّني في ذلك اليوم بينك وبين روحك الخائفة—.
أخبرتني بعدها أنك قلت: إن أحبّتني هذه الفتاة، فلا داعي لوجود الحب في حياتي ولا حتى بعد مماتي بعدها.
ما زلتَ تحدّق..تارةً تُمسك رأسك، وتارةً تتنفس ،كمن في ظهره وصدره عشرات الخناجر. أشعرتك نظراتي ببودرة الموت هذه المرّة. كنتَ ترتجف كطائرٍ جريح، أطلق عليه صيّادٌ رصاصةً؛ فقط كي يستمتع دون رحمة. دون حرفٍ واحدٍ مني، فقط نظرتُ إليك، وتركتُ على طاولتك آخر رسالة بيننا، وها قد غادرتُ للأبد!. لم تستطع منع فضولك، هرعتَ لفتحها...
الرسالة:
“تمامًا كمن عاش حلمًا لا يمكنه وصفه من شدّة جماله، ثم استيقظ على صوت انفجارات عنيفة،
أصابته بصرعٍ دائم في رأسه…أصبح يهذي، ولن يُصدّق أحدٌ بعد الآن… أنه عاقل!.
#عائشة_السعدي
#فريق_آزال
#مبادرة_النسيم