|| زهرةٌ ذبلت، لكنّها لم تمت ||



في البدء كان الحُلم كزهرةٍ نبتَت في قلب العتمَة، تسقيها الأمنيات، وتظلّلها دعوة أمّ تصلّي في جوفِ اللّيل، كنتُ أراه يكبر، يتشكّل، يقترب، حتّى ظننتُ أنّي قَد مسكته بيديّ المُرتجفَتين. 

ثمّ جاء التّعب، ليالٍ لا تُعدّ، أوراقٌ امتلَأت بالدّمع قبل الحِبر، وساعاتٌ مرّت كأنّها دُهور، كنتُ أقاوم النّوم، أجاهد النّسيان، أراكم المعرفة كمَن يبني سلّمًا نحو السّماء، غير مدركةٍ أنّ بعض الأحلام، لا تتحقّق للجميع.

وبعدَها جاء اليوم الّذي ظننته سيحمل لي الخلاص، فإذا به يجرّني إلى قاعٍ لم أزره من قبل، ولا قرارَ له.  

يومٌ كانت فيه الأنفاس ثقيلة، والقلوب معلّقة على حافّة الأمل، والعيون تترقّب شاشةً لا تعرف الرّحمة، يومٌ انطفأت به شموع الانتظار، وتهاوت فيه جدران الصّبر، وتكشّفت الحقيقة المؤلمة: "أنّ الحلم الّذي رعيتُه بدمي، وسقيتُه بدمعي، قَد مات واقفًا، ولم يودّعني حتّى.  

حين ظهرت النّتيجة، جاءت كصفعةٍ لا صوتَ لها، لم ولن أنسى ذاك اليوم، رجفَتي، صرخَتي، هرَعي، بُكائي، سُقوطي، صُراخي في وجه والديّ، لحظتها صَرَخت، نزفَت عُيوني دموعها، ركَضت في أرجاءِ المنزل كعصفورٍ قصّ جنَاحَيه، وبدأ ينتفض، هرَعت لأمّي ووقعتُ أمامها مجهشّة بالبُكاء، مُغشّى عليّ، طُرِحت أرضًا، وبدأت أبكي ويديّ المُرتجفتَين على قلبيَ النّازف، ناديتُ كالّذي بُتِر قلبه: "بابا، تعال." وبعدَها عمّ بداخلي صمتٌ يشبه الموت، يشبه انطفاء شمعةٍ في غرفةٍ باردة. 

أمّي الّتي كانت تصلّي لي في جوف الليل، لم تقل شيئًا، نظرَت إليّ بعينين فيهما من الحنان ما يكفي لشفاء العالم، ومن الحزن ما يُغرقني وحدي، احتضنتني، لا لتواسيني فقط، بل لتُعيد لي ملامحي الّتي فقدتها، كأنّها كانت تحاول أن تُعيد لي ما سُرِق منّي، لكنّني كنتُ فارغة، كأنّني لم أعد أنا.

أمسكَت بيدي، وهيَ تعرف أنّ الكلمات لن تُجدي، وقالت لي: "أنتِ ابنتي، وأنا فخورة بكِ سواء تفوّقتِ أم لا." أنتِ الحلم الّذي لا يُقاس بنتيجة، وأنتِ الدّعاء الّذي لن يتوقّف، وأنتِ النّور، ولو أطفأكِ العالم.  

أبي الّذي كان يربّت على قلبي، لم يقُل شيئًا، فقط نظرَ إليّ، كأنّه كان يُخفي خيبةً لا يُريد أن يحمّلني إيّاها، كأنّه يحاول أن يُبقي الجبل شامخًا، رغم أنّه بدأ يتصدّع من الدّاخل. 

لم يسألني، لم يُعاتبني، فقط ابتسم تلك الابتسامة الّتي لا تشبه الفرح، ابتسامة تشبه الغروب حين يودّع النّهار دون وعدٍ بالعودة، وقال لي: "أنا هُنا، ولو لم تصلِ."

أردتُ أن أقولَ لهما: "سامحوني." لكنّ الكلمات خانتني، فأنا لم أعد أملك صوتًا، ولا ظِلًّا، ولا يَقينًا، كنتُ فقط ابنتهما الّتي سقطت من سلّم الحلم، وتمنّت ألّا يرَوها وهي تسقط. 

عِندها شعرتُ وكأنّني خُدعت، لا من الحياة فحسب، بل من نفسي، من كلّ تلك الليالي الّتي صدّقت فيها أنّ الاجتهادَ وحده يكفي، من كلّ تلك اللّحظات الّتي قلت فيها لأمّي: "ادعِ لي."، وأنا أظنّ أنّ الدّعاءَ يصنع المعجزات، من كلّ تلك الأحلام الّتي رسمتها على جدران قلبي، وعلّقتها على نوافذ المستقبل، فإذا بها تتهاوى كأوراق الخريف.  

لم يكن الفشل رقمًا ناقصًا، بل كان انهيارًا داخليًّا، كأنّني فقدت شيئًا منّي، شيئًا لا يُعوّض، كأنّني لم أعد أعرف مَن أنا، ولا لماذا كنت أُقاتل! كأنّني كنتُ أركض في سباقٍ لا نهاية له، ولا جمهور، ولا جائزة، فقط تعبٌ يتراكم في صدري.  

لعَمري كم تمنّيت لو متّ، لعَمري كم تمنّيت ألّا أستيقظ بعد تلك اللّيلة، لا لأنّني كرهت الحياة، بل لأنّني شعرتُ أنّها لا تراني،  

أنّني مجرّد ظلٍّ يمرّ، لا يُحدث فرقًا، لا يُترك له أثر.  

تمنّيت الموت كراحة، كصمتٍ يُنهي هذا الضّجيج الّذي في رأسي، كأنّني أردت أن أختفي، أن أُطفئ هذا الحُلم الّذي صار عبئًا، لا أمنية.  

لكنّني لم أمت، وهنا، في هذه الحقيقة، تكمن المأساة.  

أن تعيشَ بعد أن تفقدَ الحُلم، أن تستيقظَ كلّ صباحٍ وأنت لا تعرف لماذا، أن تُجبر على ارتداء وجهٍ لا يُشبهك، وأن تُجيب على أسئلةٍ لا تملك لها جوابًا.  

ومع ذلك، هناك شيءٌ صغير، هشّ، ما يزال ينبض في داخلي، ربّما هو بقايا الحُلم، أو بقايا الأمل، أو مجرّد عنادٍ لا يريد أن يستسلم، شيءٌ يقول لي: "إنّكِ لم تخسرِ كلّ شيء، وأنّ بعض الطّرق، لا تبدأ إلّا بعد السّقوط، وأنّ الحُلم، وإن انكسر، قد يُعاد تشكيله، لا كما كان، بل كما يجب أن يكون.  

فها أنا، أكتب، لا لأُخبرَ العالم أنّني بخير، بل لأقول: "أنّني ما زلتُ هنا، وأنّ والديّ وحدهما مَن يستحقّ أن أُقاوِم كُرمةً لهما، وأنّني رغم كلّ شيء، لم أُطفئ الزّهرة الّتي نبتت في قلبِ العتمة." ربّما ذبلت، نعم،  

لكنّها لم تمت.

انكسرَ الحُلم، لكنّه ترك شقوقًا سيدخل منها النّور يومًا، ذاك اليوم لم يكن النّهاية، بل بدايةٌ بلونٍ آخَر..

أنا لم أعتَد على أن أكسَر، أو أن أستسلم، فلله الفضل، ومن ثمّ لوالديّ، فقَد زرعا بداخلي أملًا، وثقة، وقوّة.

فَحين خذلتني الحياة، لم يخدلني الحبّ.


#مَيس_هَنانو

#فَريق_الضّاد

#مُبادرة_النّسيم

تعليقات