||النضج بين يدي أمي||


كبرت يا أمي وأدركتُ بأنني خليفةُ الله في، فإما أن أكون من الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، أو أكون من الذين ضلَّ سعيهم في الحياة الدنيا، وأسأل الله الأولى وأستعيذ به من الثانية.  

 أدركت يا أمي بأننا نشبه تلك الفصول الأربعة؛ فتارةً يحط الحزن رحاله ويُخيم فوق منازلنا ويتغلغل في دواخلنا، ويدمي قلوبنا، وأحياناً تأتينا السعادة كضيف عجول يخاف أن نعتاد عليه ويهرول مسرعًا ملوحًا لنا بكفيه، وتارةً تتساقط أوراق قوتي كأوراق شجرة مسنة أتت الرياح فبعثرت أوراقها يمنةً ويسرةً، ولكن ما أن ألبث قليلاً حتى أتسلح بسلاح القوة والأمل، كذلك الفصل الذي يُدعى بالربيع حينما يأتي ويعيد لتلك الشجرة الثكلى وريقاتها.  

كبرت يا أمي، فكبر خوفي معي أن ينتهي بي المطاف وأنا لم أصل بعدُ لما أصبو إليه. أخاف أن تنتهي مدتي قبل أن أحقق ما في نيتي.

أخاف يا أمي أن أضيع وسط عجلة هذه الحياة التي تمضي بسرعة سيلاً جارف دون أن يكون لي في سجل الحسنات رصيدٌ يُثقل الميزان، ولم يعد تفكير ابنتكِ كالسابق ، فلم تعد تُغريني فكرةُ رحيل دون أثرٍ يخفف عن كاهل الناس أو بصمةٍ تهديهم إلى طريقِ الخير.

صرتُ أقرأ وجوهَ الناس يا أمي ككتابٍ مفتوح أرى في سطورها أشكالاً لم أعتاد عليها ، وصرتُ أفهم تلك الكلمات التي يُجمِّلونها بأطنان من مساحيق الكلام المغلفة بشيء من السخرية المُرّةٍ.  

أما الجدالات يا أمي فأصبحتُ أحيدُ عنها حتى وإن حتم عليًّ أن أكون أحد أطرافها، فأنا على يقين بأن المنتصر فيها والخاسر على حد سواء.

‌كبرت يا أمي؛ لكنني ما زلتُ أتعثر في عتبة الحياة، فأجد دعائكِ بوصلة تُعيدني إلى نفسي.


#رانيا_ديمان

#فريق_شام

#مبادرة_النسيم

تعليقات