أكتُب وأنا أعلمُ يقينًا بِأنكَ لَن تقرأ، وَلَكِن مِن بَابِ الفضفضةِ سأتحدث؛ وَصبًا ونصبًا، أتحدثُ بجُرحي لا بقلمي؛ لِتَنزِف مُهجتي لا حِبري، وَلكِن كَيف يَصِف المرءُ تَعبه حِين يَبلغ التَعب وَصفه؟
جِراح الأمة تَوجعني يا شرقاوي، تَغرِز أنيابها بصدري، تَقتلِع قَلبي، تَمزِق فؤادي المحموم؛ حُبًا بِهذا الدِّين، أتخبطُ حيثُ لا أدري، بين حقيقةٍ ملجومة، وحَقٍّ مَسلوب، ووطنٍ مكلومٍ لا يملِك مِن الأمرِ سوى دمعةٍ مِن مُهجةِ شعبِه بكاها!
تَاللهِ أن غَزَّة في صَدري، وروحي أودعتُها قَلب غَزَّة؛ فكُل جَريحٍ تبكيه عَيني، وكُل شهيدٍ يفقده قَلبي، اللُّقمة تأبى بحلقي أن تُبلع، والمَاء يَمر على كَبدي عَطشًا؛ فكيف تروى أحشاؤنا، والفُقد والعَطش قد صَّجرا أجواف إخواننا بغزَّة؟
الحَرب بأرضِ الزَّيتون، وعَين الزَّيتون تَبكي على خَدي، وَجعها يَتوسد شغافي، وأنينها يبوح بزَفرتي...
هَذه الحَرب غَيَّرتني حتى أُكاد لا أعرفني، بل صَنعتني، وأبدلتني فؤادًا غير الَّذي كَان، أنا الرِّيفيةُ البسيطةُ التي أكبر معارِكها الدِّفاع عَن حَقٍِّها المَسلوب في التَّعليم، وما دون ذَلك باطِلًا بالنُسبةِ إليَّ، لا أرَى مِن الحَياةِ إلا بؤرةِ عِلمٍ سَرقها الرِّيف مِني، حتى جاء الطُوفان وطاف بِقلبي إلى حَيث ينتَمي، إلى زيتونةٍ جَريحة، وساعدٍ مبتور، وخافقٍ مكلوم، ووجعٍ عَتيقٍ كُنتُ أجهله، أخرج الدنيا مِن صدري وأبدلها بِما يستحِق الحياة فِعلًا، بِعشقٍ عظيمٍ لأرضِ النِّضال، ومهدِ الأحرار، ورِحم الأبطال، وَمُقابل ذَلِك أضناني الفراق، أوجعني أن لا أكُون بجوفِها، أُعانِق جراحها ولَيتني أُقطِبها، أمسح دَمعها وليتني أُكفكِفها!
للهِ ما بالقلبِ مِن وَصبٍ، للهِ حُلم الشَّهادة النائم على أحداقِ أرقي، للهِ وطني وجرحه يا شرقاوي، هَذه الرُّوح المَسلوبة مِن جسدي، للهِ حَرفك الذي يرممني، وتَربيتك على كَتفِ خاطري، لرُبما لا تَعرِفني، ولكن سُجادتي بدعواتي تَحفظك.
#جَنَّات_السَّعيدي
#فَريق_الضَّاد