ها أنا أستيقظ مثل كُلِّ صباح، تثاوبتُ كعادتي وتربعتُ في منتصفِ تختي وأنا أمدد في يداي أمامي وإزائي، ولأولِ مرةٍ شعرتُ بروحي خفيفة وكأنها جناحُ فراشةٍ صغيرة، نهضتُ من السرير متجهةً نحو نافذتي لأصبّح على نباتاتي وأرويها لأن تقول لي يكفي، لكن لم أستطع عندما حاولتُ أن ألمسها، ذُهلتُ من الموقف، ولا سيما عندما رأيتُ يداي وكأنها غيمةٌ مُشكَّلة من الضباب، ماذا يحدث؟!
ابتعدتُ قليلاً وأنا أطرد الأفكار التي بدأت تراودني من رأسي، هرولتُ نحو مرآتي لكي أرى ما الخطب، لكني لم أرَ لُجّة، رأيتُ روحها دون ذلك الغطاء الّذي يُدعى بالجسد، لتلفت أقدامي نظري بأنها لا تلمس الأرض وإنما فوقها بعدة سنتيمترات. بدأ الهجسُ يشقُّ طريقهُ إلى قعرِ فؤادي. حاولت فتح البابِ فلم أستطع، فلجأتُ لدفعهِ، إذ بي أصبحُ خارج الغرفة. نظرتُ لبرهةٍ عن الّذي حدث منذ قليل، ولم أجد تفسيرًا، فعاودتُ الحركة لأرى بأن يدي، أو على الأرجح جسدي بأكمله، يعبر الباب الخشبي دون خدشٍ أو ألم. استدرتُ نحو الممر وبدأت أمشي تجاه الدرج وصولاً إلى المطبخ. لم أرَ أحدًا، المنزل فارغ تمامًا، أبي وأمي وأخي وجدتي، لا أثر لأحد منهم. ليعبر مسمعي صوت أمي وهي تقول: "اشتقت إليها، دعنا نذهب"، ركضتُ إلى الخارج إذ بهم يصعدون إلى العربة وكأنهم متجهون إلى مكان ما، لأسرع إليهم وأنا أنده، لكن لا إجابة من أحد، فجلستُ على الكرسي الفارغ. وقاد والدي لنا حتى وصلنا إلى المكان الّذي كانوا يقصدونه، لكن تساءلت: لماذا نحنُ في المقبرة؟!
خرجتُ عبر نافذة السيارة وأنا تائهة، من هؤلاء الورى ولماذا يحلقون في السماء؟!
بينما أنا أسير، رأيت العديد منهم: من يبكي، ومن يضحك، ومن يتحدث، ومن جالس يتأمل، لأرى عائلتي مجتمعة حول قبرٍ من تلك القبور. اقتربتُ منهم وأنا أسمع صوت نياح أمي وهي تبكي بحرقة، وجدتي التي تربتُ على كتفيها، بينما يضع أخي الزهور على القبر ويسقيه بالماء، وأبي ينظر إليه، والعبرة كادت أن تسقط إلا أنه يتماسك ويحاول أن يمثل القوة، فإني أعرف أبي جيدًا. كاد الفضول أن يقتلني لأعلم لمن هذا القبر، اقتربت أكثر ومررتُ من جانب أخي دون أن يشعر بي أو يراني، وهنا صعقتُ صعقةً استحال أن أنساها: رأيتُ صورتي واسمي وتاريخ الوفاة، أي هذا القبر قبري! كدعُ اختنق ألمًا، ماذا يحدث هنا؟!
أرجو الله أن يكون حلمًا، هل حقًا أنا ميتة؟!
بدأت أصرخ كالمجنونة وأنا أقول: "لا، لم أمت، أنا لازلتُ حية، تخرجي بعد أسبوع!"، التفتُ ثانيةً نحو القبر لأرى التاريخ بدقة أكثر، وهنا كانت الصدمة الثانية: التاريخ منذ خمسةِ أشهر، أي مرَّ على وفاتي خمسةُ أشهرٍ!
بدأ الضباب يزداد من حولي، وأنا لا أعلم مصدره، اختفت عائلتي بأكملها، وبعضٌ من تلك الأصوات بدأت تقول: "هل هذه جديدة بيننا؟!"
بينما سمعتُ صوتًا آخر يقول: "لا، سوف تعود إلى عالمها، فلم يحن وقتها بعد." اهتزت الأرض وشعرتُ بروحي تختنق وكأن وضع أحدهم صخرةً على جسدي، ولم أرَ نفسي سوى أقعُ من وادٍ عالٍ جدًا، فأغمضتُ كلتا مقلتيّ وأنا مستسلمة، وعندما فتحتهما رأيت نفسي في الأرض، كانت غرفتي، نعم، غرفتي، وها هو منبهي يرن مُشيرًا إلى السابعة والنصف. وقفتُ وأنا أنفض ثيابي وكأني عدتُ من معركة، لأرى أمي تدخل الغرفة وهي تقول لي كعادتها: "هيا يا لُجّة، انهضي، ستتأخرين على جامعتكِ"، وبينما هي تتحدث ركضتُ نحوها وأنا أعانقها بقوة، وعبراتي تملأ وجنتي، وأنا أستنشقُ شذا عبيرها من عنقها، لتشتد من حضني وهي تهمسُ لي: "ما بكِ صغيرتي؟ هل يؤلمكِ شيئًا ما؟!"
لم أتفوه بكلمة، فقط أقبلها وأشدُّ من غمرتي لها أكثر. ربما كان حلمًا، لكنه سيصبح واقعًا في يومٍ ما. لا أخاف الموت، لكني أخاف البُعد عن أمي وعائلتي فقط. أشكر الربّ على نعمةِ عودتي.
#أمل_عارفو
#فريق_جنين
#مبادرة_النسيم