إلى الطفلة التي كانت......
مرحبًا صغيرتي، أحدثكُ اليوم من قعرِ تابوت البؤس، ومقابر الأحياء، ومن حولي جنازةٌ يُقال بأنها لي، وصُراخٌ للنعيّ المؤجل، هنا ظل الماضي يُكبل ضياء الحاضر، وأحلامي رطبةٌ تتعفن على قارعةِ الطُرقات، وينتشر فِطر اليأس، وتأكل العثة أيامي الهزيلة المهترئة، وتندثر عند الحافة لتدوسها الخطوات.
سأخبركِ سرًا يا عزيزتي، مازلتُ كما كنتِ هشةً، أتوارى عن الأنظار خلف التلابيبِ، وأحدق في اللاشيء بعيونٍ مُرتابة، أبحث عنيّ في المتاهات، وكل بدايةٍ لي ليست إلا سردايب، مازلتُ أكتب ولكن بشعور يُغلفه الشتات، ويتضوع بالطلسمِ المُريب، أكتب عن الخيبة التي أحتسيها بمرارةٍ، وتتلذذ هي بمعاناتي، وعن وطنٍ ما عدنا نعرف عنه إلا المآسي، وعن أحلامٍ تُبتر، وطفولةٍ تُقتل، وشبابٍ يضيع!
أكتب لكِ اليوم بعمر التسعين خيبةً، والسبعين وجعًا، ولست أدري لماذا يُقاس العمر بالربيع، وأنا لم يكن لي إلا خريفٌ يتلوه سربًا آخر من كل خريفِ، وبتجاعيدٍ لم تشفع أعوامي الثمانية عشرة في محوها، وبتجاربٍ لا يكفي ألف عامٍ لُتحكى أكتب إليك!
وهل كنتِ تعلمين؟
وأظن أنكِ لم تكوني لتكبرين لو علمتي، فما كل عامٍ إلا مقصلةٌ جديدة، وحُكمٌ مؤبد في زنزانة المجهول، وأعوامٍ تمر ولا ثابت إلا هذا الدمع والدم، وألدّ الأنين!
هذا الصباح تذكرتكِ ثم بكيتٌ يا عزيزتي، بكاء الثكالى واليتامى، بكيتُ نيابةً عن كلِ سكوت، عن كل مرة ابتلعت حجارة الكَلمِ، وعن كل مرة توسدتْ غُصةٌ حلقي، وعن كلِ صرخةٍ دُفنت بالثباتِ الرقيم.
عزيزتي، هذه الحروف نزيفٌ، وأعلم أنه لا إسعاف لدينا ولا لواصقٌ للجروح.
تاريخ الإرسال: يوم الدمع/ شهر الحزن/عام البكاء.
المُرسل: فُقد في طوفانِ المشاعر.
#غدير_الظليمي
#فريق_اقرأ
#مبادرة_النسيم