جفّتْ بساتين قلبها، وأصبحتْ صحراءَ قاحلةً لا ترتوي، وإنِ ارتوتْ، فمِن دمعِ عينَيها ترتوي.
صَمَتَ الطَّير حزنًا على حالها، وأطفأتِ الشّمس نورَها حِدادًا عليها، بكتِ السُّحُب تألّمًا على آلامها، وتوقّف الزّمن، فأصبحَ تائهًا يقترب إليها، كأنّه يبحث عن معنًى لوجوده.
كادتْ جذورُ الأرضِ أن تُحدّثها، فحدّثتْها بصوتٍ خفيضٍ قائلةً: "اذهبي وابحثي عن فقيدكِ، فرُبّما ما يزالُ هناكَ أملٌ."
مرتِ الأعوام، وحُسمتِ الأيام، ولكنّها لم تنسَ كلماتِه حين قالتْ له: "أستعود؟" فأجابها بكلمةٍ واحدةٍ كانتْ كافيةً لتزرعَ في روحِها بِذرةَ أملٍ: "لَرُبَّمَا."
عاودتِ النُّجوم إلى سَماها بعد تيهٍ طويل، ولكِن قد كان آخرَ لقاءٍ بينهما، لقاءٌ لم يكُن كما تمنّتْ.
أحسّتْ برجفةٍ قاتلةٍ حين سمعتْ تأتأةَ صوتِه المَبحوحِ، يهمِس لها: "قد صرتُ في صمْتِ المقابر... قد صرتُ في صمْتِ المقابر..." ثُمّ تلاشى واختفى، تاركًا وراءه فراغًا أعمقَ من الفراغ الّذي كان.
التفتَتْ إلى الوراء، وكأنّها تبحثُ عن بقايا أثرٍ له، فسمعتْه مُجدّدًا، ولكِن هذه المَرّة لم يكُن صوتًا مسموعًا، بل صدًى في أعماق روحها، يقول: "ما أحببتكِ يومًا ولا وقتًا، ولكنّني أحببتكِ عُمُرًا كاملًا لم أستطِع أن أمنحكِ إيّاه، لأنّ القدرَ كان أقوى من أحلامنا، ولأنّ صمتَ المقابرِ كان أبلغَ من كلّ الكلمات الّتي لم تُقَل.
لقد تركتُ لكِ ذكرى، وذكرى لا تكفي، ولكنّها كلّ ما استطعتُ أن أتركَه، ابحثي عنِ النُّور في داخلكِ، فرُبّما تجدين فيه ما يعوّضكِ عن غيابي، وما يروي صحراءَ قلبكِ الّتي أصبحْتُ سببًا في جفافها، لا تبكي على ما كان، بل ابحثي عن غدٍ جديدٍ لم أستطع أن أكونَ جزءًا منه.
وداعًا... وداعًا يا مَن كنتِ كلّ عُمُري."
#غَيداء_السُميني.
#فريق _أطلانتس.
#مبادرة_النسيم.