|| أين كتابي؟ ||

 

كانت كأي ليلةٍ عادية، وضعتُ كتابي على تلك الطاولة قبل الذهاب إلى النوم، لأفتح عيني على عالمٍ لا يشبه عالمي، لمكانٍ لا يشبه مكاني.

روبوتٌ آلي وقف أمامي يمسك صحن تقديم بتلك اليدين أو ما يُشبه اليدين، قائلًا بصوتٍ بثَّ الخوف في داخلي: «حان وقت الفطور...»

يا الله! ما هذا؟! لربما ما زلت نائمة، لربما أنا في حلمٍ غريب لا أكثر.

تذكرتُ كتابي وذهبت راكضة إلى تلك الطاولة، لكن ماذا! لا كتاب، ولا طاولة، ولا بيتي هو بيتي...


كطفلةٍ أضاعت أمها، أصبحتُ أدور في ذلك المكان. لا شيء هنا على حاله، كل شيء أصبح يتحدث وكأنه يملك لسانًا! الفرن يسأل الذي أمامه ماذا يريد أن يأكل، والباب يسأل الطارق: من أنت؟ وهل لديك موعد؟

البشر لا يعملون شيئًا غير الجلوس!، وكل تلك الآلات حولهم وكأنها هي التي أصبحت حية بدلًا من البشر... لا زلت أدور ولا أعلم أين أنا! وفي رأسي ألفُ سؤالٍ وسؤال.

صرخت عاليًا دون وعيٍ مني: أين أنا؟ وأيُّ عالمٍ هذا؟ أأنا على الأرض أم ماذا؟ كل ما أعرفه أنني نمت ليلة أمس، ولكن ماذا حدث بعد ذلك؟ يا الله... بدموعٍ حارة: ماذا يحدث؟


ليتكلم السوار الذي بيدي: «عزيزتي، لا تبكي، فهذا الشيء له تأثير سلبي على مؤشراتك الحيوية. ضربات قلبك تزيد، ومستوى الكورتيزول يرتفع، وهذا ليس لصالحنا.»

شعرت بالقشعريرة للحظة. من أنت؟ وماذا تقصد بقولك (لصالحنا)؟

_«أنا مساعدك الذكي، مسؤول عن صحتك، ومتابعة مؤشراتك الحيوية، وإن أردتِ إجابة على أسئلتك، فاسألي النظام، ويمكنكِ العثور عليه في غرفة الجلوس.»


ذهبتُ إلى ذلك المكان الأشبه بالفضاء الشاسع، أهذا زجاجٌ أم بلور؟ كل شيءٍ يلمع وكأنني في عالمٍ افتراضي. أيُّ غرفة جلوسٍ هذه!

وبينما أنا شاردة في المكان ومندهشة من جماله، ظهرت كتابة بخطٍّ رقميٍّ واضحٍ ولونٍ أحمر: 2050!

إلى الآن لم أسأل شيئًا، ولكن الرؤية بدأت تتضح أكثر.

أنحن في 2050؟! كيف ذلك؟ ألم تكن ليلة البارحة إحدى ليالي حزيران لعام 2025؟


_بصوتٍ عالٍ: «مرحبًا سوسن، سعيد لاستيقاظك، فأنتِ أحد تجاربنا الناجحة.»

أي تجارب؟ ماذا تعني؟ ومن أنت؟ وهل حقًا مرَّ كل هذا الزمن؟

_«هي تجربة علمية تم إجراؤها، تم تنويمك وقرن جسمك بأجهزة نظامٍ متطور، وها أنتِ بعد 25 عامًا، أصبح العالم كله إلكترونيًا. كل ما تريدينه نحضره لكِ بضغط زرٍ لا أكثر. في هذا العالم لا داعي للعمل، ولا للتعب، نحن نتعب ونعمل كل شيءٍ لأجلكم.»


بين الأمس واليوم!! لم أستطع استيعاب ما قيل. «تجربة علمية؟ تنويم؟ 25 عامًا؟» كانت هذه الكلمات كالصاعقة، تتساقط فوق رأسي، تزيد من ضبابية المشهد.

"أي تجارب؟ ماذا تعني؟ ومن أنت؟" كانت كلماتي تتدافع محاولة اللحاق بهذا الصوت الذي بدا وكأنه يعرف كل شيءٍ عني.

_أجابني الصوت بهدوءٍ لا يليق بحجم الصدمة التي أمرّ بها: «هي تجربة علمية تم إجراؤها على مجموعةٍ من الأفراد ليتكيفوا مع العالم الجديد. تم تنويمكِ وربط جسمكِ بأجهزة نظامٍ متطور. وها أنتِ الآن، بعد 25 عامًا، أصبح العالم كله إلكترونيًا، كل ما تريدين نحضره لكِ بضغطة زرٍ لا أكثر. في هذا العالم لا داعي للعمل، ولا للتعب. نحن نتعب ونعمل كل شيءٍ لأجلكم.»


شعرت بالبرد يسري في عروقي. كان هذا العالم الذي يصفه وكأنه قطعةٌ من خيالٍ علمي، أو كابوسٌ أرغب أن أستيقظ منه فورًا. لا عمل، ولا تعب؟ فكيف نعيش؟ وماذا نفعل بكل هذا الوقت؟

"أين كتابي؟" خرج السؤال مني بشكلٍ عفوي، كان هذا الشيء الوحيد الذي يربطني بليلة الأمس، الشيء الوحيد الذي يعطيني دليلًا على أنني كنت هنا، في زماني.

_«لا حاجة للكتب الورقية الآن يا سوسن، كل المعلومات، كل القصص التي تحبينها متاحة أمامكِ في شاشتكِ. يمكنكِ قراءة آلاف الكتب في لحظة، والاختيار بين ملايين العوالم الافتراضية. الحياة أسهل وأكثر راحة الآن.»


لكنني لم أرد الراحة، لم أرد أن تُلغى حياتي هكذا. أردتُ كتابي، رائحة أوراقه القديمة، ملمس غلافه الخشن. أردتُ أن أتعب، أن أعمل، أن أبحث بنفسي.

لم يعد هذا عالمي... حتى القلم لم يعد موجودًا.

ها أنا أستسلم وأستخدم هذه التكنولوجيا لأكتب كعادتي، لأكتب للنسيم، وإن تغيّر كل شيء، واختفت الكتب والقلوب، فالنسيم لا زال ينبض في داخلي.


إلى نسيم 2025...

لا أعرف من أين أبدأ، ولا كيف سأصف لكِ ما يحدث. لقد استيقظتُ في عالمٍ مختلفٍ تمامًا، في عام 2050! كل شيءٍ هنا يبدو وكأنه من فيلم خيالٍ علمي. الروبوتات تخدمنا، والسيارات تطير، والبيوت تتحدث.

لقد اختفى كتابي وطاولتي، واختفت كل الأشياء التي أعرفها. أشعر بالضياع والوحدة في هذا العالم الإلكتروني البارد، حيث لا عمل ولا تعب، فقط راحة مزيفة.

ليتني أستطيع العودة إلى زمننا، إلى أمسِنا الذي يبدو الآن وكأنه حلمٌ بعيد.


#سوسن_وليد

#فريق_نون

#مبادرة_النسيم

تعليقات