||ارتعاشة وعيٍ فقد طريقه||

 

لا شيء يبدأ هنا، ولا شيء ينتهي، كل ما يحدث مجرد اهتزازٍ في هواءٍ بارد، ارتعاشة وعيٍ فقد طريقه إلى نفسه، كنت أظنّ أنني أعيش، ثم اكتشفت أنّ العيش ليس سوى طريقةٍ أنيقةٍ للموت البطيء، الوقت يلتفّ حولي كأفعى ناعمة، يلدغني بالذكريات، يحقنني بصورٍ لم أعد أميزها: وجوه تبتسم، وجوه تبكي، وكلها تبدو لي واحدة.

المدينةُ نائمة على رمادها، وأنا واحدة من دخانها، أتسلل بين الأزقة المطفأة، أبحث عن ظلي الذي تخلى عني.

كل شيءٍ يُشبهني أكثر مما ينبغي: النوافذ المغلقة، الأرصفة المتشققة، العيون التي تنظر دون رغبةٍ في الرؤية، أجلس في منتصف الغرفة، أراقب الضوء وهو يحتضر على الجدار، وأفكر أن الموت ليس لحظة؛ بل استمرارٌ طويل لعدم الاكتراث.

في داخلي ضجيجٌ خافت، كأن ألفَ صرخةٍ تحاول أن تصير همسًا، أحاول أن أكتب لأتخلص مني؛ لكن الكلمات تنقلب عليّ، تفتح جروحي وتجلس فيها.

أكتب عن الحزن كمن يكتب سيرته الذاتية، أدونه لا لأتذكره؛ بل لأنّ النسيان صار رفاهيةً لا أملكها.

في الليالي الأخيرة، صار الظلام أقلّ إخافة؛ ربما لأنني صرت جزءًا منه، أو لأنه أدرك أنني لن أهرب بعد الآن، ثمة صداقةٌ غريبة بيني وبينه، كأننا كائنان يعرف أحدنا وجع الآخر دون كلام.

أجلس معه طويلًا، نحكي عن الذين مرّوا، عن الذين لم يأتوا، عن الذين ما زالوا يختبئون خلف قناع الضوء، كلّ يومٍ يُشبه سواه، إلا أنّ الفراغ في صدري يتّسع قليلًا، لم أعد أخاف السقوط؛ لأنني سقطت بما يكفي لأفهم أن الأرض ليست نهايةً؛ بل بداية حفرةٍ أعمق، حتى الحنين صار فكرةً متعبة، أتذكره كما يتذكر مريضٌ تعافى ألمه، لا رغبةً في عودته؛ بل دهشةً من أنه كان موجودًا أصلًا.

الناس يقولون: "تمسّك بالأمل"، وأنا أتساءل: هل يُمسك بالشيء الذي لا شكل له؟!

الأمل بالنسبة لي مجرد ظلالٍ شفافة تتلاشى كلما حاولت الإمساك بها، ربما كنت يومًا إنسانًا عاديًا؛ لكن شيئًا ما انكسر في منتصف الطريق، ولم يعد فيّ ما يمكن إصلاحه، وفي آخر الليل، حين يصمت كلّ شيء، أسمع داخلي يتنفس بثقل، ثمة قلبٌ لا يريد أن يعيش، وعقلٌ يصر أن ينجو، وروحٌ تقف بينهما حائرة، أمدّ يدي إلى العدم، كمن ينتظر معجزةً يعرف أنها لن تأتي، ومع ذلك ينتظر.

ربما هذا هو جوهر المأساة:

أن نعرف النهاية منذ البداية، ومع ذلك نمشي إليها كأننا نكتشفها لأوّل مرة.


#نوال_المغربي

#فريق_الضاد

#مبادرة_النسيم

تعليقات