على دقّات الثّانية بعد مُنتصفِ الأسى، قُرعَ جَرسُ الفَقد فاتِحًا أبوابَه لكلّ أنواع الخُذلان، أعلنَ وقتها حِدادًا على المدى.
شرَعَ تغيّرًا يمتدّ على صفحات الدّهر، تمثّل ببرودٍ كبرودِ ليالي الشّتاء الأوّل بعد رحيل الخِلّ.
كأوّل ليلةٍ ينام فيها الولدُ وقد جاء من جنازة أبيه للتّوّ.
شيءٌ لا يُشبه أيّ شيءٍ في هذا العالَم، انطفاء تام، هدوءٌ تجاوز حدود البُرود.
الهواء ثقيلٌ للغاية، لا يدخُل للرئتَين، بل يجوبُ أنحاء قلبي المهجور فتهتزّ به أغصانُ الذّكريات والخيبات مَرّة واحدة.
يعبثُ بالآهاتِ عبثَ فايروس بجُرحٍ مفتوح متقيّح.
ولمّا يريد الخروج، يُغادر قلبي كما تُغادر الرّوح الجسد بعد احتضارٍ مُخيف، ليس نَفَسًا، إنّه أشبهُ بالمشنقةِ بعد اتّهام زائف،
كبريءٍ ظهرتْ براءتَه بعد أن دفعوا الكُرسيّ من تحت قدمَيه، بعد أن نفخَ روحه، وصعدتْ للسّماء.
توقّفتِ المشاعِر المُقلقة، توقّف الخوف من المستقبل، توقّف الشّعور بالأصل، اسودّتِ الدّنيا بلحظةٍ واحدة.
كأعمى التقى بصاحبِ عُمره، وما استطاعَ أن يستلذّ بالنّظر لتقاسيم وجهه، ما استطاع أن يرى انعكاسه بعيونه، ما استطاع أن يرى ابتسامته، لكنّه أحسّها بقلبه أو ببقاياه.
قد يبدو أحيانًا الرّحيل هو الخيارُ الوحيد.
و تبقى الحكمة الخفيّة في أن يُجهّزك اللهُ للُقياه مُخبّأةً لا يُدركها إلّا من فتح الله بصيرته،
حين ينزعُ اللهُ الدّنيا من قلبكَ مَرّةً واحدة، حين ترى عظيم الأمر وتافهه بذات العَين، حين تتعادل الدّنيا وتعود لحقيقتها، حين تعرف حقيقةَ مَن حولك، وأنّكَ جُزءٌ لا يتجاوز حبّةً من قمحٍ من أحبّ أحبابِك،
حين يّطهّركَ الله، يُطهّر قلبكَ التّطهير الّذي كنتَ تحلم به دومًا وتسعى له بخُطًى عرجاء مُثقلة، ها هوَ قد أتاكَ حين استسلمتَ للعجز بعدم الوصول إليه، ها هوَ أتاكَ حينَ ابتعدتَ عنه، لأنّ الله أراده لكَ الآن.
فكرةُ الموت، مُخيفةٌ مُريحة، في الحقيقة، يكمن الخوف فيها من كونكَ ستُنسى، وستكون وحيدًا في حُفرةٍ لا تتجاوز الأمتار، وتكون مُريحةً حين تُدركُ إلى أين أنتَ ذاهب.
برَغم التّقصير الّذي أنتَ فيه، في قلبكَ رِقّةٌ شديدة، في قلبكَ صِدقٌ ونقاءٌ وبياضٌ قد غطّاه سواد الأيّام والمعاصي، في قلبكَ خيرٌ مدفون.
فكرة أنّكَ ستُلاقي الله عزّ وجلّ، مُريحةٌ للغاية.
فكرة أنّكَ مُرحَّب فيكَ عنده، وأنّك غير ثقيلٍ هناك، ولستَ عِبئًا أو عبثًا، فكرة أنّ الله يعرفكَ، يهتمّ لأموركَ دومًا، يقبلكَ، لا يملّ منكَ مهما تكرّر ذنبك.
فكرة أنّه الله، وأنّكَ عبده، مُريحةٌ جدًّا..
#مرام_كرديّة
#فريق_الضّاد
#مبادرة_النّسيم