||صُدفةُ اللقاء||

 

في يومٍ مِن الأيامِ سنلتقي، ربما تجمعُنا صُدفة في مكانٍ ما: حديقة هادئة وسط مدينة بعيدة، أو رُبما في مقهى صغيرٍ يحملُ بين أركانه ذكرياتٍ كثيرة، ستنظر إليّ! لكنك لن تعرفني على الفور، ستظلُ ذاكرتكَ تتأرجح بين الحاضر والماضي، تُحاول جاهدة أن تتذكرني، ثم ستلتفت لتُفاجأ بدهشةٍ تتسللُ إلى داخلِكَ، وربما تعيش صدمة تستمرُ لعدةِ دقائق، ثلاثةً أو ربما أربعة، قد تُحاول إقناع نفسكَ بأنّه لستُ أنا؛ تكون الخطوط على وجهي، أو نبرة صوتي المختلفة أربكتك؛ لكن في أعماقِك شيئًا ما يصرُخُ قائلًا: "إنها هي"!

ستنظر إلى عينيّ، تبحث عن ذلك البريق الذي كان يومًا مصدرًا للتواصل بيننا؛َ لكنك ستُصدَم حين تكتشف أن نظراتي قد تغيّرت، ستُلقي السمع لصوتي، مُحاولَة منكَ لتأكيدِ ظنونك؛ لكن ما يُدهشك! هو حدة نبرته وجديته، وكأنّ الزمنَ قد أضفى عليهِما قوة غير مألوفة، ستظل تُحدّق نحوي بصمت، وأفكارك تتسابق بين التصديقِ والتكذيب، وبينما أنتَ غارقٌ في دهشتِكَ، يُقاطِع لحظتك صديقك الذي يقول بابتسامة: "كوب قهوتك قد برد".


سألته بحيرة: "هل يتغير الشخص بسهولة؟"

 يبتسمُ بخفةٍ وُيجيبك: "قد يتغير الشخص في ثلاث أو أربع سنوات تغييرًا جذريًا، كثرة الألم والمواقف المؤلمة تُغيّر البعض بطريقة مدهشة، ربما لا يتغير الجميع، ولكنّ الشخص القوي يجعل مِن كلّ موقفٍ صعب فرصة للارتقاء، قد تندهش حين ترى أثر هذا التغيير عليه".

شعرتَ بالتلعثم وأنتَ تحاول صياغة سؤالٍ جديد؛ لكن الكلمات بدت لك ثقيلة وغير مناسبة.

همهمت بامتنان: "شكرًا لك على كلامِك".

نهضتُ مِن الطاولةٍ مُسرعًا، وقبل أن تبتعد، قلت له بابتسامة باهتة: "نلتقي مرة أخرى إلى اللقاء".

التفتُ ورأيتُ الدهشة في عينيه، لكنها لم تكن تعني لك شيئًا، ما كان يُهمكَ في تلك اللحظةِ هو أن تختلي بنفسك، وتغرق في مشاعرِكَ المتضاربة، رؤيتها هناك بعثرت كل توازنك، وجودها أعادك إلى ذلك الماضي الذي لطالما حاولت طمسه من ذاكرتك، ذلك الماضي الذي لا زال يتسلل إلى مُخيلتِكَ كلما حاولتَ نسيانه.


#نسيبة_العامري

#فريق_إيروس

#مبادرة_النسيم

تعليقات