||كهولة الروح||

وهل يُشترط للعمر أن يبلغ عتيا، ليُقال لصاحبه عجوزًا؟

 وهل لا بد أن يذبل الجسد، ويتقوس الظهر، ويغزو الشيبُ الشعر، حتى نُمنح صك الشيخوخة؟

ما الضير إن قال أحدهم: أنا عجوز في ريعان شبابي؟  

فالشيخوخةُ ليست في الجسد، بل في الأرواح المُنهكة، في القلوب التي شاخت من كثرة ما تَحملت، في العيون التي تاه فيها الأمل..

الشيخوخة ليست عمرًا يُعد، بل لحظة يُطفأ فيها الضوء من دواخلنا، حين يُغتال الحلم، ويُوؤد الرجاء، وتضيق الأرض بما رحبت، حين تصبح "أنا بخير" تعويذة نتقي بها الشفقة، لا وصفًا لحالنا.

نشيخ حين نولد في عالم لا يشبهنا، وننشأ على هامش أحلام لا تُروى، ونُربى على الصبر دون وعدٍ بالفرح ،نشيخ حين نُجبر على التكيف مع واقعٍ لا يرحم، ونرتدي أقنعة التماسك ونحن نكاد ننكسر..

نشيخ حين ندفن أمانينا بأيدينا، ونصير شهودًا على احتضار أحلامنا، ونُتقن فن النجاة من الألم دون أن نعيش حقًا.

نشيخ حين نجد أنفسنا غرباء في وطن كان لنا ،سقينا ترابه بحبنا وعلقنا على جدرانه أحلامنا فإذا بهه يضيق بنا ويلفظنا كأننا غرباء لا أبناؤه.

نشيخ حين نغدو أكثر حكمةً مما ينبغي، وأقل اندفاعًا مما يليق بأعمارنا، وحين نكتب كما لو أننا عشنا ألف نكسة، ولا زلنا ننتظر ربيعا لا يجيء.

نشيخ، لا لأن أعمارنا تقدمت، بل لأن قلوبنا هرمت من فُقدان ما نحبه، من تكرار الخيبات، من السير في طرقٍ لا تنتهي، ومن الانتظار الذي طال حتى نسيَ المنتظرون ماذا كانوا يرجون.

ولافرق بين شيخ الجسد وشيخ الروح، 

فالأول تذبل قواه، 

والثاني تذبل أحلامه،  

ذلك يذوي عمره، 

وهذا يذوي أمانيه،  

فكلاهما يحملان ثقل الزمن، أحدهما في مظهره، والآخر في أعماقه التي لم تَعد تزهر.


#جمانة_الغساني

#فريق_ريزا

#مبادرة_النسيم

تعليقات