لمّا كنتُ أصغر سنًّا، لم تكن لمخيّلتي نقطة تتوقّف عندها.
ففي الوقت الذي بدأتُ فيه قراءة آية الكرسي صباحًا ومساءً — كما علّمتني أمي — كنتُ أرى نفسي أُحاط بحصنٍ منيعٍ أزرق، يكتمل مع كل كلمةٍ أنطقها. كان حصناً شفّافًا يتيح لي رؤية العالم والعيش فيه، لكنه يمنع أذاه عنّي.
وما زلت أقرؤها حتى أشعر بكفّ الطمأنينة الحنون تربِتُ عليّ.
ولا أبتغي التذكير؛ فمجرد انفكاكي عن ملجئي الآمن يحيل ما حولي إلى وحشٍ كاسر، مُتهيّئٍ في أي لحظة للانقضاض.
ثم أنظر إليّ الآن، وقد مضت الأيام، وزاد طولي على تلك الطفلة القصيرة، فأعجبُ وأسفُ لخيالي الذي يصغر كلما كبرت. تحيط به حدود الواقع، وتقيّده سلاسل الوعي والنضج، حتى تُمسِي الأذكارُ مجرد قراءةً خاليةً من أي معنى، وتغدو تمتماتٍ باهتةً أقضيها على عجلٍ حتى أُسقِط التكليف عن عاتقي.
لكنني، رغم ذلك، ممتنّةٌ لنفسي الصغيرة؛ تلك التي أهدتني ما أعود إليه كلما أحسستُ أن قلبي قد تنفّست فيه حياةُ الإيمان، فأُلقي السمع، وأتخفف من القسوة، وأسمح لنفسي أن تسترق من خيال الطفلة ذاتِ الأفكار الغريبة، فأُضفي لونًا على تمتماتي التعبّدية، وأُلبسها معنى أعمق من مجرد التلفُّظ.
ممتنّةٌ للطفلة التي منحتني ما أستقيم به رغم جنوح الأيام.
#إيثار_العزي
#فريق_شام
#مبادرة_النسيم