التنمّر ليس مجرد كلمةٍ عابرة أو مزحةٍ ثقيلة، بل هو ثِقلٌ من حجرٍ يُلقيه الأقوياء على أرواحٍ لم تُخطئ، وحِملٌ يسرق وهجَ الروح.
إنه سلوكٌ مسموم، يبدأ بلمسةِ سخريةٍ خفيفة، ثم يتضخّم ليصبح جدارًا صمّاءَ من العزلة والخوف يُطوّق الضحية.
فكم من برعمِ حياةٍ ذبل قبل أن يرى نور الشمس بسبب يدٍ لم تُتقن سوى القسوة والجفاء.
يختار المتنمّر ضحاياه بعناية، غالبًا من أولئك الذين يحملون في ملامحهم “براءة الاختلاف”.
قد تكون بشرةٌ أغمق قليلًا، أو وزنٌ لا يعجبه؛ نحافةٌ تُثير سخريته أو امتلاءٌ يثير تهكّمه.
وربما شعرٌ مجعد لا يوافق معاييره الضيقة، أو قصرٌ في القامة يراه مادة جاهزة للطعن.
وقد يستهدف من يتلعثم في الحديث، أو طفلًا يحمل جهاز أسنان، أو آخر يمشي بعكازٍ كأن هذا العكاز جريمة.
وحتى الاختلاف اللغوي يصبح ساحة عبث؛ لكنّةٌ غير مألوفة، أو كلمة ثقيلة النطق.
وأحيانًا يطول التنمّر الطالب الهادئ الذي يفضّل الكتب على الضوضاء، أو ذاك الموهوب الذي يسطع نوره فيثير غيرة القلوب الضيقة.
وتمتد سهامه حتى للبساطة؛ ملابس غير ماركات، أدوات مدرسية قديمة، أو هاتف ليس من أحدث الإصدارات.
كل اختلاف مهما كان جميلًا يحوله إلى علامة ضعفٍ يغرس فيها سهمَ استغلاله.
يا من جعلتَ من الكلمة سكينًا في خاصرة الروح، ومن اللسان سهمًا نافذًا…
أما علمتَ أنّ الوجع الذي تزرعُه سيعود إليك يومًا مضاعفًا؟
أما أدركتَ أن ضحكتك على ألم غيرك ليست نبلًا، بل سقوطٌ في وحل الجهالة؟
أما الضحية، فيغدو عالمه الآمن ساحةَ معركةٍ لا تنتهي.
كل صباح يحمل معه عبءَ الخوف؛ فكل ضحكةٍ في الممر قد تكون نشيدًا للسخرية، وكل نظرةٍ حكمًا قاسيًا.
يتعلم كيف يصمت، كيف يتوارى، وكيف يدفن جروحه التي لا تنزف دمًا بل تنزف ثقةً وكرامة.
تختنق أحلامه كعصافير محبوسة، ويهجر ساحات الحياة، خوفًا من انكشاف هشاشته القسرية.
لكن القصة لا يجب أن تظل أسيرة المآسي.
إن قوة التنمّر الحقيقية تكمن في صمتنا.
فإذا رفعنا صوتنا بالرفض، وتحولنا من متفرجين خائفين إلى جدار صدٍّ متماسك، نزعنا عن المتنمّر جوهر قوّته.
الوقوف مع الضحية ليس مجرد شهامة، بل ميثاقٌ يُثبت أن الإنسانية أسمى من أي شعورٍ كاذب بالعلو.
دعونا لا نكتفي بالتنديد، بل نكون عيونًا ساهرة على حفظ العدل في مدارسنا ومجتمعاتنا.
فلننحت ثقافة الاحتواء والاحترام في الصخر، ولنتذكر أن كل إنسان يحمل سرًا كريمًا يستحق أن يُرى دون خوفٍ من سخرية أو حكم.
ولنجعل مجتمعاتنا أرضًا يُورِق فيها الحب لا الخوف، وتُعانِق فيها الأرواح السماء بدل أن تُسحق تحت وطأة القسوة.
#مروة_الرعيني
#فريق_الضاد
#مبادرة_النسيم