||أن تُحبّك طفلة||
أن تُحبّك طفلة… وأن تتعلّق بك كما لو أنك قطعة أمان لا تُعوّض؛ ذلك جمال من نوعٍ لا يُشبه جمال البشر الكبار.
فبراءة الأطفال حين تُهدي قلبها لأحدٍ ما، تفعل ذلك بصدقٍ يفوق قدرتنا على الاحتمال.
والأجمل من ذلك كلّه… أن يكون العمر صغيرًا، والروح أكبر من سنواتها، وكأنها خُلقت بفطرةٍ تعرف معنى الودّ دون أن تتعلمه.
لكن الشيء القاسي… أن ترحل.
أن تترك ضحكتها في ذاكرتك وتغيب،
أن تُسافر بعيدًا وتصبح المسافات بينكما طويلة،
طويلة لدرجة تجعل الكلمات تتبعثر كلما حاولتِ ترتيبها.
يصبح الشوق أكبر من قدرتك على الإخفاء،
وتصبح الذكريات أصواتًا صغيرة تتكرر في لحظات الهدوء.
أتذكّر اليوم الذي حاولنا فيه الاتصال…
أجابت والدتها أولًا، ثم سمعتها تقول لها بصوتٍ متلهف:
«أريد أن أكلم أسماء».
كم كان لصوتها وقعٌ غريب في قلبي، كما لو أن قلبي سمع اسمَه ينادى.
أعطتها والدتها الهاتف، وأعطتني أمي هاتفها…
وبين هاتفين، كان هناك حنينٌ صغير يركض نحوي.
وحين ألقيتُ عليها السلام، لم تتكلم…
لم تقل حتى كلمة واحدة.
فجأة… انفجرت بالبكاء، بكاء طفلٍ لا يعرف كيف يخبّئ مشاعره.
رغم صغرها، إلا أنها انهارت… قالت والدتها إن صوتي وحده كان كافيًا ليكسر صبرها.
وأنا… كشخص يعرف معنى الصداقة والوفاء،
حاولت أن أبدو قوية،
حاولت أن لا أبكي،
أن لا أكون الطرف الذي ينهار أولًا…
لكنني، ما إن انتهى الاتصال،
وأغلقت الهاتف بين يدي،
حتى شعرت بأن الدموع لا تطلب إذنًا…
انسكبت دون توقف،
كأنها كانت تنتظر لحظة حرية لتقول:
«كم تفتقدينها».
أيُّ طفلةٍ تلك؟
كيف استطاعت في فترة قصيرة أن تأخذ من قلبي المكان الذي لم يأخذه أي بالغ؟
ربما لأنها جاءت بروحها البسيطة، وحنانها الفِطري،
وربما لأن الأطفال يعرفون أن يلمسوا الأماكن التي نخفيها حتى عن أنفسنا.
وأتذكّر قبل أن تغادر منطقتنا…
كنت أحب أن أمشط شعرها،
ذلك الشعر الأسود… داكنٌ كلون الليل،
ناعمٌ كأن النسيم مرّ عليه قبل أن أصل إليه.
كنت أحب سلاسته، وأحب تلك الدقائق التي أشعر فيها بأن العالم كله يصمت،
ولا يبقى سوى طفلة صغيرة،
وروحان تقتربان دون حواجز.
إنها ليست مجرد معرفة قصيرة…
إنها حكاية صغيرة، لكنها مكتملة،
وفي داخلها شعور لا يُنسى.
#أسماء_يوسف
#فريق_شام
#مبادرة_النسيم