لطالما آمنتُ أنَّني لم أُخلَق لأكونَ وعاءً مُغلقًا على ذاته، بل جئتُ إلى هذه الحياةِ لأكونَ كزجاجةِ عِطرٍ نادرة، شَفّافةَ المَعدنِ، غنيّةَ الجوهر.
أخذتُ على نفسي عهدًا أن أنسكبَ حُبًّا، وأتطايرَ أملاً، وأهبَ أخلصَ ما في أعماقي لكلِّ عابرٍ أرهقهُ جفافُ الأيام.
لم يكنِ العطاءُ يومًا بالنسبةِ لي نُقصانًا، بل كانَ اكتمالاً بامتزاجِ روحي بأرواحِ الآخرين؛ كنتُ أتعمَّدُ أن أتركَ في كلِّ يدٍ صافحتُها نَفحةً من الطِّيب، وفي كلِّ قلبٍ آويتُهُ عبقًا من السكينة.
بذلتُ من وقتي، ومن صبري، ومن دقاتِ قلبي، غيرَ وجِلةٍ من فناءِ السائلِ الثمينِ في داخلي، واليوم، حتى وإن شعرتُ بأنَّ زجاجتي قد خَلَتْ، وأنَّني استنزفتُ آخِرَ قطراتِ مَخزوني، فلا أجدُ في نفسي وحشةَ الفراغ، بل أشعرُ بزهوِ الانتشار فما زلتُ أسمعُ صدى رائحتي في حكاياتِ العابرين، وما زلتُ ألمحُ أثري عالقًا في ثيابِ الذكريات، إنَّني لا أنتهي بانتهاءِ ما أملك، بل أبدأُ حقًا حين أتحوَّلُ إلى "أثر"، فالجسدُ قد يغيب، والزجاجةُ قد تجفّ، لكنَّ سيرةَ العِطرِ تظلُّ ممتدةً كقصيدةٍ لا تعرفُ الخِتام، شاهدةً على أنَّني مررتُ من هنا، وأهديتُ العالَمَ شيئًا من نُورِ قلبي.
#سمر_أكرم
#فريق_الأفق
#مبادرة_النسيم