يقولونَ إنَّ اليُتْمَ مَوْتٌ، وأقولُ إنَّ النُّضْجَ المفاجئَ هو الموتُ الأكبر؛ أنْ تستيقظَ طفلةٌ لِتجدَ أنَّ "الجِدارَ" الذي كانت تستندُ إليهِ قد صارَ سَراباً، وأنَّ عليها أن تواجهَ إعصارَ العالَمِ بصدرٍ أعزل.
ليتني لم أكبُر؛ ليتني بَقيتُ عند تلك النقطةِ الآمنةِ من العُمر، حينَ كانَ "أبي" هو قانونَ الجاذبيةِ الذي يمنعُ كوني من الانهيار، وكانَ صوتُهُ هو الرقيةَ التي تُبددُ أشباحَ الخوفِ من تحتِ وسادتي. خُدشت براءتي، لا.. بل سُحِقت حينَ أدركتُ أنَّ الأمانَ بَعدَهُ ليسَ حقاً مُكتسباً، بل هو "قَبضةُ ريحٍ" نحاولُ التمسكَ بها في عاصفةِ الزَّيف.
ما أصعبَ أن تضطرَّ طفلةٌ لِترميمِ حُطامِها وحدَها، وأن تخلعَ رداءَ العفويةِ لِتلبسَ دِرعاً من الريبةِ، لأنَّ العالَمَ لا يرحمُ القلوبَ العارية. يا أبي.. ليتني أعودُ تلكَ التي كانت تغفو وهي تؤمنُ أنَّ السَّماءَ لا تُمطرُ إلا حُبّاً، وأنَّ الناسَ مرايا للنقاء.. ليتني أعودُ "أنا" قبلَ أن يكسرَ النُّضجُ أجنحتي، وقبلَ أن أكتشفَ أنَّ أمانَ الأرضِ كُلِّها كانَ يختبئُ في تجاعيدِ كَفّيك.
اليوم، أنا لا أكتبُ حزناً، أنا أصرخُ حقيقةً؛ الأمانُ بَعدَ الأبِ هو "مَنفى"، والبحثُ عنهُ في وجوهِ العابرينَ هو ضلالٌ بعيد. ليتَني بَقيتُ صغيرة.. ليتني لم أعرفْ كيفَ يبردُ القلبُ حينَ يغيبُ الدِّفءُ الأوّل
#دعاء_برمو
#فريق_الجود
#مبادرة_النسيم