كنت أعمل في الكافيه حين جلس محمد قريبًا مني ولم أكن أعلم أن جلوسه لن يكون عاديًا ولا عابرًا ولا يشبه بقية الوجوه التي تمر أمامي كل يوم ثم تختفي دون أثر، كان حضوره هادئًا لدرجة جعلتني ألتفت إليه دون سبب واضح وكأن شيئًا داخلي قال لي انتبهي فهذا الشخص سيترك أثرًا ولو بالكلمات فقط
بدأ الحديث بيننا بسيطًا جدًا لا يحمل وعودًا ولا نوايا معلنة، مجرد جمل عادية لكن الطريقة التي كان ينطق بها كلماته جعلتني أشعر أنني مسموعة فعلًا لا مجرد فتاة ترد بدافع اللطف أو المجاملة، كان يصغي لي وكأن الوقت كله ملكه وكأنني لست على عجلة من أمري ولا هو مستعجل على الرحيل
أنا ريم، أعمل هنا وأسمع الكثير من الأحاديث المتشابهة التي لا تلامس شيئًا في الداخل، لكن حديث محمد كان مختلفًا لأنه لم يكن يحاول أن يكون مختلفًا، كان صادقًا هادئًا لا يرفع صوته ولا يفرض نفسه، فقط يتكلم كما هو، وهذا وحده كان كافيًا ليجعلني أرتاح دون أن أعرف السبب
تحدثنا عن الحياة وعن الأيام التي تمر دون أن نلاحظها، عن الشعور حين تجد شخصًا يفهم ما تقصده قبل أن تنهي الجملة، وعن التعب الذي لا يُرى، وعن الصمت حين يكون أصدق من الكلام، وكلما طال الحديث شعرت أنني أتكلم بصدق أكبر وأنني أخلع طبقة من الحذر كنت أرتديها دون وعي
كنت أراه يبتسم أحيانًا ويتوقف أحيانًا أخرى وكأن بعض الكلمات تحتاج إلى صمت يسبقها، وكان هذا الصمت بيننا مريحًا لا يحرج ولا يضغط، بل يمنح الحديث عمقًا أكبر وكأننا نترك فراغًا متعمدًا لما لا نستطيع قوله
لم أشعر بالوقت ولا بالأصوات من حولنا ولا بالأشخاص الذين يمرون، كان حديثنا يعزلني عن المكان ويجعل الكافيه مساحة صغيرة لشيء أكبر من مجرد لقاء عابر، شيء يشبه الطمأنينة أو الفضول الجميل أو بداية لا تعرف اسمها بعد
محمد لا يعلم أن ذلك الحديث ظل يرافقني بعد أن انتهى، ولا يعلم أنني في طريق عودتي إلى البيت كنت أعيد كلماته في رأسي وأبتسم دون سبب واضح، ولا يعلم أن اسمه حين خطر في بالي لاحقًا جاء خفيفًا دافئًا لا يشبه بقية الأسماء
أنا ريم، وهذا النص كُتب لأن حديثًا واحدًا في كافيه كان كافيًا ليجعلني أؤمن أن بعض الأشخاص لا يحتاجون إلى وقت طويل ولا اعترافات كبيرة ليتركوا أثرًا حقيقيًا، يكفي أن يجلسوا ويتحدثوا بصدق ثم يرحلوا بهدوء تاركين القلب في حالة انتباه جميل
#أصالة_الشرعبي
#فريق_النيل
#مبادرة_النسيم