سأكتب حتى تتلطّخ هذه الورقة البيضاء بحبرٍ أسود، أسود كدمٍ احترق ولم يجد جرحًا يخرج منه.
هذه المرّة لن أمزّقها، لن أرتكب طقسي المعتاد في الهدنة، سأرسلها مع ذلك الغريب الذي يُدعى ساعي البريد، ذاك الذي رأيته مرارًا بوجهٍ شاحب، خاليًا من ردّات الفعل، كأنّه جثّة تتجوّل في الممرّات، تحمل وصايا الموتى ولا تعلم لمن أو لأي كائن ستُلقيها.
ربما سيرميها بلا اكتراث، كما يفعل مع رسائل الآخرين؛ فهي لا تعنيه، ولا يعرف كم ارتعشت يدي حتى رتّبت هذه الكلمات، ولا كم سقط مني الحرف حتى وقفت الجملة مستقيمة.
سأرسلها بلا عنوان، لتتسكّع في الطرقات كي لا تصاب بالانتماء، لتُخطئ الأبواب عمدًا، لعلّها تقع في يد غريب فتُصبح له.
لا لشيء… فقط لأنني أريده أن يقرأها وكأنها كُتبت له، لعلّه يكون شبيهي بالشعور، دون أن يدري.
إلى من يفتح هذه الورقة: لا تفزع.. الحروف هنا لا تعضّ، لكنها مسمومة.
كُتبت من وجعٍ دفين، اتّخذت الحركات شكل جماجم، وصار الحبر مجزرةً للكلمات التي أُعدمت بعد سجنٍ طويلٍ داخلي، لا لذنب ارتكبته، بل لأنها أنجبت نسلها في صدري فأصبح ليس مكان للعيش.
لا أعرف من أنت، لكنني أعرف شعورك.
أعرف ثِقل الأيام حين لا تُقال، حين تتراكم داخل الجسد كأثاثٍ مكسور، وأعرف كيف يبدو القلب بعد أن يشيخ من الأحزان، حين يتعب الصبر فيهتزّ ثباته، ويثقل اللسان لأنه لم يعد يشتكي.
أعرف ذبول العين بعد جفافها، وتلك الخطوط أعلى جبينك الطفولي، وشعرك الذي شاب باكرًا دون إذن، وجسدك الذي بالكاد تتّكئ عليه من شدّة ما خذلته الحياة.
أعلم جيدًا أن الحياة صعبة، وأنك تمنّيتَ الموت أكثر مما تمنّيتَ النجاة. ومع ذلك خفت، لا على نفسك، بل على أولئك الذين سيتظاهرون بالندم بعد رحيلك.
ستشفق على حبيبٍ خانك، وصديق هجرك، وأهلٍ نسوك. وربما ستبكي جثتك بنفسك، وتتأمّلها بدهشة وتسأل: كيف استطاع الزمن أن يظلمني هكذا دون أن يعتذر؟
لا تفكّر في ذلك مطلقًا، امضِ فقط، واصل السير كأنك جثّة هامدة، تمامًا كذاك الذي أوصل لك هذه الرسالة.
أكمِل طريقك دون أن تفكر بما سيحل بك أو بغيرك.
وتذكّر: أنت جرد زائر. جئت مرحبًا بك، وسترحل مكروهًا، أو سيرثونك ببضع الدموع خشية تأنيب الضمير، ثم يُغلق الباب خلفك، وتنساك الحياة وكأنك شيء لم تكن .
#وعد_اليافعي
#فريق_وطن
#مبادرة_النسيم