​|| تراتيلُ الناي ||

​بين ضجيج الحاضر وهدوء الماضي، وقفتُ على عتبات الروحِ حائرة. حين أرهقني صخب المادة، قررتُ أن أطرق باب الحكمة القديمة، هناك حيثُ ينامُ "الرومي" في قلبِ الحقيقة، فقلتُ له: أيُّها العارِفُ، جِئتُكَ بقلبٍ مُثقَلٍ بضجيجِ المادَّةِ، أبحثُ بَينَ كلماتِكَ عَن كُوَّةِ نَجاةٍ؛ فهل يتَّسعُ مِعراجُكَ لروحٍ أرهقَها الطين؟ فأجابني بوقار: يا ابنتي، القلبُ لا يمتلئُ إلا بما يفيضُ منهُ، وما تبحثينَ عنهُ يبحثُ عنكِ في مِرآةِ نَفسكِ، فلا تطلبي الشفاءَ مِن خارجِ الجُرحِ؛ فالجرحُ هوَ المكانُ الذي يَعبرُ مِنهُ اليقينُ إليكِ. سألتُه والحيرةُ تملؤني: لكنَّ الحياةَ في زَماني باتَت ساحةً للزِّحامِ، والكلُّ يركضُ خلفَ السَّرابِ. كيفَ أسمعُ صوتَ الحقيقةِ في صَدري وَسطَ هذا العَويل؟ قال: أنصتي إلى صَمتكِ لا إلى ضجيجِهم، فالنايُ لا يشدو إلا لأنَّهُ فُصِلَ عَن أصلِهِ في الغابِ، ونحنُ في هذهِ الدنيا حَنينٌ مستمرٌ لتلكَ الجُذورِ. اصمتي؛ ففي الصَّمتِ لغةٌ لا تدركُها الآذانُ، بل تشرَبُها الأرواحُ التي عَطِشَت للمَعنى. قلتُ له: يلومونَني لأنني أرى الجَمالَ في انكساري، ويقولونَ إنَّ القوةَ في القسوةِ والامتلاكِ. هل أخطأتُ الطريقَ؟ فأجابني بيقين: القوةُ يا ابنتي هيَ أن تكوني كالماءِ، ينسابُ ليناً فيشقُّ صَلدَ الحَجرِ. لا تحزني على انكساركِ، فالإناءُ لا يمتلئُ إلا إذا كانَ مَفتوحاً للسماءِ. الذينَ يملكونَ الأشياءَ يظلونَ عبيداً لها، أمَّا الذينَ يملكونَ أنفسَهم، فالسَّماواتُ كلُّها بيتُهم. سألتُه بشغف: علِّمني كيفَ أحبُّ الوجودَ دونَ خوفٍ، وكيفَ أرقصُ في وَوجهِ العاصفةِ كما تفعلُ في مَدارِك؟ فقال: الحبُّ هو الميزانُ الذي يكشفُ أسرارَ الروحِ، فلا تدخلي غابةَ الحبِّ دونَ أن تخلعي نَعلَي الخوفِ. ارقصي حينَ يتمزقُ قلبُكِ، وارقصي وأنتِ في وَسطِ القتالِ، فَالرَّقصُ ليسَ هزّاً للأبدانِ، بل هوَ نَفضٌ لغبارِ الدنيا عَن أجنحةِ الروحِ. قلتُ له: يا سادِنَ المَعنى، كلامُكَ يذيبُ الجليدَ في صَدري. فما هي وصيتُكَ لكاتبةٍ تحاولُ صياغةَ الوجودِ بمدادِ قلبِها؟ ختمَ قوله وهو يبتعد: لا تكتبي بالمدادِ، بل اكتبي بالدموعِ الصادقةِ، فالكلمةُ التي لا تخرجُ من الروحِ لا تسكنُ الأرواحَ. كوني شمعةً تحترقُ لتضيءَ، واعلمي أنَّ القلمَ الذي لا يهتزُّ بالحبِّ هوَ خشبٌ لا يصلحُ لشيءٍ. اذهبي، وكوني أنتِ الحقيقةَ التي تطلبينَها.

​رحلتُ عن محرابهِ، ولم يرحل صوتُه من أعماقي. أدركتُ حينها أنَّ النايَ لم يكن يوماً مجرد آلة، بل هو حكايةُ أرواحنا التي تبحثُ عن طريق العودة. عدتُ ومعي يقينٌ جديد: أنَّ الجمال يسكنُ في الانكسار، وأنَّ الروح لا تحلقُ إلا حين تنفضُ عن أجنحتها غبار التعلّق.

​#مروة_الرعيني

#فريق_الضاد

#مبادرة_النسيم

تعليقات