في آخرِ ساعاتِ الليل، كنتُ أمشي بخطى ثابتةٍ متزنة على مرسى الشاطئ، أصغي إلى هيجان البحر، وضيقة من الآلام والهموم التي تُلقى إليه كلَّ يوم.
وكان القمر الجميل يتحرك مع كلِّ خطوةٍ أخطوها، والنجوم تلمع كاللآلأ في السماء.
تعبتُ من المشي، فجلستُ قرب البحر، حتى لامست قدماي الماء، وبتُّ أحدّق فيه…
فإذا به يسكن؛ لكن سكونه لم يدم طويلًا، إذ عاد إلى الهيجان من جديد، بقوةٍ مضاعفة عمّا سبق.
وإذا بالبحر ينشق، ويخرج منه نورٌ قوي، أغمضتُ عينَيَّ من شدته، ثم خرج رجلٌ شديد الجمال، أقسمتُ أنه نزل من السماء، فجماله أخّاذ حدّ الدهشة.
اقترب مني، فخفتُ منه في بادئ الأمر، لكن خوفي كان يتلاشى مع كل مسافةٍ يتخطاها نحوي.
جلس بجانبي، على مسافةٍ فاصلة، تناول فنجان قهوتي وشرب منه، نظرتُ إليه مشمئزةً من جرأته.
أعاد الفنجان وقال بهدوء:
كيف حال قلبك؟
أجبته:
حالُ قلبي كأمٍّ أوصلت صغيرها إلى قبره…
لكن دعك مني، وقل لي:
لِمَ أراك تصرخ بكل هذا الهيجان؟
ضحك وقال:
من أسرار قلوبٍ تغلغل فيها الحزن…
أمٌّ
تعبت في تربية صغيرها، حتى ترعرع وصار شابًا يافعًا، لكن الحياة سرقته منها.
وأبٌ
قضى عمره مكافحًا، يتجرّع المرَّ ليطعم أبناءه حلو الحياة.
وأخٌ ودّع أخته إلى قبرها، بعد طفولةٍ عاشوها كأنهم روحٌ في جسدين.
وأختٌ
تصرخ من ألم حلمٍ ودّعته بلا عودة.
وحبيبٌ
يبكي من ألم الشوق، كأنه يعقوب حين حنّ ليوسف.
وحبيبةٌ
تحاول الانتحار من خذلان مَن منحته سعادتها.
أفلا أهيج وأنا أسمع كل هذا ممن يحبونني؟
أدمعت عيناي، فقد كنتُ أودّ أن أحكي له آلامي، وشوقي، وحنيني، وحبي لشخصٍ تعلّق به قلبي ورحل، غير مكترثٍ بما خلّفه داخلي.
قطع تفكيري حين رأيته ينهض راحلًا.
ناديتُه…
فالتفت إليّ مبتسمًا وقال:
حان وقت رحيلي، فالصباح بات يطرق أبواب الليل، وما قلته لكِ أسرار، لا تُخرجيها إلا لحبرك فقط، فأنا لا أرغب أن أقف عن الهيجان.
#ملاك_البدوي
#فريق_الأمل
#مبادرة_النسيم