في ليلة ظلماء، حيث انهمرت زخات المطر الباردة كالسكاكين، كانت الشوارع خالية إلا من همسات الريح وصوت قطرات الماء ترتطم بالأرض. الجميع اختبأ من البرد، احتمى بالجدران والنوافذ المغلقة... إلا هي.
مشت بخطوات ثقيلة، كأن الأرض تسحبها نحو أعماقها. لم تكن تهاب البرد ولا المطر، بل اختارت أن تجلس تحت السماء المفتوحة، تقرفص كطفلة ضائعة، تحتضن نفسها بذراعيها وبقلبها العاجز.
الجو كان قارسًا حدّ التجمد، لكن قلبها كان يشتعل بنار لا تُطفأ، لم تشعر بتلك النسائم التي تعبر وجنتيها، ولا بقطرات المطر التي بللت شعرها المتناثر على وجهها. كان هو وحده من يحتضنها، شعرها الذي التصق بوجهها كأنه يحاول حمايتها من هذا العالم القاسي.
تمتمت بكلمات مبهمة، لا يفهمها أحد، وكأنها تخاطب نفسها أو السماء، لم يكن البرد يؤلمها كما فعلت نيران صدرها، تلك النار التي كانت تشتعل بلا رحمة، تبحث عن خلاص.
كانت الأمطار والرياح الثلجية تضرب جسدها بعنف، لكنها لم ترتجف، لم تكن تشعر بشيء سوى بفيض من الألم المكبوت كان المطر هو وسيلتها الوحيدة لتهدأ، ليمسح عنها تلك الشهقات الخفيفة التي كانت تختنق بها.
بدأت زخات المطر تلامس وجنتيها المحمرتين، وكأنها تهمس لها بلطف: "سأخفي عنكِ دموعك... وسأمسح عنكِ هذا التعب."
وتحت زخات المطر، وسط الليل البارد، جلست وحدها... لكن المطر لم يتركها، كان صديقها الوحيد، وملجأها الأخير.
مرت اللحظات ثقيلة كأنها دهر. كانت تجلس هناك، وحدها، تحت المطر، وكأنها قطعة من الليل، لا أحد يراها، ولا أحد يشعر بها.
كل شيء حولها صامت، إلا صوت المطر...
ذلك الصوت الذي تسلل إلى قلبها كأغنية حزينة تعرف كل كلماتها، وكأن السماء تبكي معها، أو ربما تبكي عنها.
لم تكن تبكي بعينيها... بل بصدرها، بروحها.
كانت الدموع ثقيلة جدًا، فلم تجد طريقها للخروج، فقط ارتجافات خفيفة، وهمسات متكسّرة تموت قبل أن تُولد.
ضمّت نفسها بقوة أكبر، شعرها المبلل التصق بوجهها، وتلك الخصلات المتناثرة بدت وكأنها أيدٍ صغيرة تحاول حمايتها من شيء لا يُرى... من وجعٍ لا يُوصف.
قالت بصوت خافت كأنها لا تتحدث إلى أحد:
"تعبت..."
ثم صمتت، وكأنها خافت من اعترافها.
تعبت من محاولات الثبات، من التظاهر بالقوة، من تجاهل الأسئلة التي تنهش عقلها كل ليلة.
كانت تأمل أن يغسل المطر كل شيء… قلبها، ذاكرتها، وحتى تلك النار التي لا تنطفئ داخلها.
كل قطرة كانت كأنها رسالة من السماء: ثم همست لنفسها
"أنا هنا، لا تخافي، حتى لو لم يبقَ أحد."
وفي عمق ذلك الصمت، شعرت بشيء غريب...
هدوء، لا يشبه السكينة، بل كأنها استسلمت ليس ضعفًا، بل راحة أخيرة، كمن توقّف عن المقاومة، وقرر فقط... أن يشعر.
---
: الظلال التي تتبعها
كان المطر يملأ الشوارع، يغطّي الأرض كما لو أنه يريد أن يغسل كل أثر لوجودهم.
لكن… هل يمكن للمطر أن يغسل الذكريات؟
وهل يمكن للزمن أن يمحي الندوب؟
كانت تقف تحت الجسر، عيونها تحدّق في الظلام الذي ابتلع كل شيء حولها.
لم تكن تعرف كيف وصلت، أو لماذا كانت هناك، لكن كل شيء في حياتها كان يعود إلى هذا المكان.
كان هذا الجسر شاهدًا على اللحظة التي تغير فيها كل شيء.
على اللحظة التي تخلّت فيها عن الماضي، فقط لتكتشف أن الماضي لا يمكن أن يتخلّى عنها.
وقفت تحت الجسر، تنتظر، لكن لا أحد كان يجيء.
كان هذا المكان مسكونًا بالذكريات، وكل خطوة كانت تأخذها إلى هذا المكان كانت تدفعها أكثر إلى الماضي الذي كانت تحاول الهروب منه.
كانت قد تركت كل شيء خلفها:
أصدقائها، عائلتها وبعض الغرباء…
لكنَّ نيران الماضي كانت تلاحقها، ترسل لها إشاراتها، تنبش في كل زاوية من قلبها.
ثم، كما لو كان الظلام قد جمعهم جميعًا، ظهرت أمامها صورة كانت قد حاولت طويلاً نسيانها.
كان هناك شخص ما، مختبئ في الظلال، يكاد يندمج مع الليل.
ليس هو، لكن كانت تعرفه جيدًا.
كان وجهه ضبابيًا، ملامحه مشوشة، ومع ذلك كانت تشعر به أكثر من أي وقت مضى.
قال بصوت خافت، كأن الكلمات تتسلل عبر الظلام:
"أنتِ هنا من جديد."
لكنها لم تجب.
أغمضت عينيها للحظة، واستنشقت الهواء البارد.
لا شيء تغير.
كل شيء هنا كان ما زال كما كان عليه في الماضي.
لكن ماذا عنهم؟
هل كانوا مجرد ذكريات؟
هل كانوا مجرد شبح غادر في أعماقها؟
اقترب الشخص، خطواته ثقيلة، قاصدة، كأنها تخترق الزمن نفسه.
"أنتِ ما زلتِ هاربة."
قالها بصوت منخفض، لكن كلماته ثقلت على صدرها.
"لن أهرب أكثر."
كانت كلماتها محملة بالألم، كما لو أن كل حرف منها يحمل ثقل سنوات من التدمير.
لكن لم يكن هو وحده هناك.
كان هناك آخرون…
أشخاص من الماضي، أسماء مرت في حياتها، تركوا بصماتهم على جسد ها وروحها.
كل واحد منهم كان له قصته، كل واحد منهم ترك أثرًا غير قابل للشفاء.
لكن أين كانوا الآن؟
كان الجميع قد غادروا، لكن ظلوا حاضرين في كل خطوة، في كل لحظة.
"هل ستواجهينهم؟"
كانت تلك آخر الكلمات التي سمعتها قبل أن يختفي الجميع في الظلال، تاركينها مع هذه الأسئلة التي لا تجد لها جوابًا.
كانت تتأمل الظلام حولها، الوجوه التي اختفت، والأسماء التي تلاشت.
أشخاص كسروا قلبها، ورحلوا، تاركين خلفهم جروحًا أعمق من أن تُشفى.
#نوران_محمد
#فريق_النخبة
#مبادرة_النسيم